...وشرد بي الذهن ,فتذكرت أنه ليس أسهل علينا من أن نندفع دائما ,فنشيد باخلاق الأجانب , ومقدرة الأجانب , وفضل الأجانب , ونسلب أنفسنا من كل خلق , ونحرمها من كل مقدره وفضل , فننسب النقائص لأنفسنا , والفضائل لسوانا , يدفعنا ذلك الى مركب النقص الذي نحسه في أنفسنا , لوبحثنا عن الاقع لوجدناهم شرا منا ,إن الإنسان هو الإنسان , في كل أمة , وفي كل جيل .
إني لأذكر ذات مره كنت أدرس فيها انا ومصري آخر في إحدى مدارس الجيش البرياطاني , وكان الطلبه معنا خليطا من جميع الأجناس : إنجليز ,وبولنديين, واستراليين , وايضا رجال من جنوب أفريقيا , وعندما حل موعد الإمتحان , كنت أنا وصاحبي قد استوعبنا كل مادرناه جيدا , فقد كنا نُحسُ من الإمتحان خشية ورهبه , وكنا واثقين من أن الغش في مثل هذه الإمتحانات التي يراقبها الإنجليز أمر مستحيل .
فهم قومٌ أخلاقهم مثلى , ويجب ان نعتمد نحن على أنفسنا , فنضرب لهم مثلا انهم ليسوا خيرا منا , وبدأ الإمتحان , وانهمكت في الكتابه معتمدا على نفسي ,ولكن لم تمض برهة حتى وجدت صاحبي يمد يده إلي بورقه , فتناولتها منه , وبي إرتباك شديد, وقرأتها فإذا بها إجابة لبعض الأسئله , فتملكني الحنق على صاحبي , لأنه سيفضحنا وسط الأجانب , وأصابني خوف شديد , وأخفيت الورقه تحت النشافه , وأخذت أستعين بها في خفيه .
ورأيت جاري الأخر ,هو إنجليزي الجنس , ينظر الىَ بين آونة وأخرى , فازددت حرصا على إخفاء الورقه , خشية أن يتبين أني أغش .
ومضى الوقت , وأنا أرى جاري يزداد تلفتا الى , ويبدو على القلق , وبعد فترة أخرى , رأيت أن الأمر لم يعد يقتصر على جاري فقط بل سرى بين بقية الطلبه , وأنهم كلهم قد أخذوا يرمقونني بغيظ , ويبدو عليهم قلق شديد
وأخيرا ..طفح بهم الكيل , ولم يعودوا يطيقون صبرا على ان يروا جريمة الغش ترتكب أمام أعينهم , فرأيت جاري قد نهض حانقا وهجم علي , فانتزع الورقه من تحت النشافه , وعاد الى مقعده بهدوء , وجلس ينقل منها بمنتهى البساطه .
اي والله , هذا ماحدث , لقد كنت أتوقع عندما نزع مني الورقه , أن يذهب بها الى مراقب الإمتحان , ويخبره بجناية الغش التي ارتكبها أحد المصريين , ولكني وجدت أن مافعل هو أن أخذ الورقه ليغش منها , ناظرا الي , قائلا: إني بليد جدا!
واتضح لي بالنهايه ان الورقه كانت مكتوبه بمعرفة المراقب , وأن مهمة المراقب الكبرى هي مراقبه الباب حتى لايطب علينا أحد من الخارج !
هؤلاء هم الإنجليز , وغيرهم من الأجناس , نحسن الظن بأخلاقهم , ونربأ بهم عن الغش .
إن الإنسان هو الإنسان , غشاش مخادع كذاب منافق , في كل أمة وكل جيل , لاتقولوا : رحم الله آباءنا وأجدادنا لأنهم كانوا خيرا منا , وأفضل خلقا , لاتقولوا ذلك فما كانوا يقلون عنا رداءة !
لقد كانوا أنانيين مثلنا , وكذابين مثلنا ,إن هذه العصا من تلك العصيه ,أو هذا النعل من ذاك الوطاء .
لاتقولوا : إنكم رأيتم في بلاد بره الأمانه والصدق والإخلاص , فقد رأينا نحن -بلاد بره- عندما أتت الى -بلاد جوه- وخبرنا جيدا أهل بلاد بره !
أو قد نسيتم جيوش الحلفاء ,وكيف كانوا يبيعون مهماتها ,وأسلحتها , وعرباتها المسروقه بأبخس الأثمان !
هل نسيتم أن اللصوص كانوا جنود الخليه وضباط الخليفه !؟
سلوا كبار المتعهدين ؟ كيف كانوا يرشون -الصاجن أو الكابتن- حتى يسمح بقبول البضائع , رغم انها غير مطابقه للعينات , فكانوا بذلك يسببون خسائر لأمتهم التي هم أمناء على أموالها , لقد كانوا لصوصا , ومرتشين , وغشاشين , وخونه , سرقوا من أمتهم وغشوا أمتهم , وخانوا امتهم
هؤلاء : هم أهل بلاد بره الذي نرى فيهم مثلا عاليا . نتشدق دائما بحسن أخلاقهم , هل هناك أشد منهم انحطاطا وأردأ خلقا !؟
لاتحزنوا على أنفسكم , فكلنا في الهوى سوا
لاتحطوا من قيمة أنفسكم , فما كنا شرا منهم , ولاكانوا خيرا منا *
بالتأكيد الكاتب يحمل في قلبه هما لأمته وأيضا اجحف كل الحق للأجانب ,لكن اعتقد انه صادق في بعض قوله , فنحن دائما نشيد بأخلاق غيرنا ونسلب أنفسنا كل الحق بالرقي , لكن لو نظرنا بأمانه فسوف نجد اننا قوم تكون الأخلاق عندهم في المراتب الأولى , الا ترون معي ان السبب في تخلفنا هو ذاك السبب الذي ذكره الكاتب !
*بعضا من رواية أرض النفاق ليوسف السباعي عام 1949
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق