السبت، 17 يوليو 2010

حوار بين روح القدس ومعلم البشرية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسَلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.



أما بعد:


يقول حسان :










وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس به خفاء










فهو يسمَّى: جبريل ، ويُسمى: روح القدس.. وسمي روح القدس من الله سبحانه وتعالى، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم.. وكان صلى الله عليه وسلم يحرك داعيته حسان لينظم الأبيات اللاذعة على رؤوس المشركين، فيقرب له المنبر ويقول: (اهجهم وجبريل معك) (1) وفي لفظ لـأحمد : (اهج المشركين فإن روح القدس معك) (1) .


وأكمل بيت قاله حسان في مدح جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم يوم اشتركت القيادة في بدر : قيادة الملائكة، مع قيادة الصحابة، تحت راية محمد صلى الله عليه وسلم يقول:






وَبِيومَ بَدرٍ إِذْ يَصُد وُجُوهَهُم جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمدُ










فمن يقول مثل هذا البيت، ومن ينحت مثل هذا الكلام؟


وأحاول في هذه الورقات القادمة أن أشرح حواراً دار بين روح القدس وبين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مشهد عظيم وعلى مرأى من الصحابة.


عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بـالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين. فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه كما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله. فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم؛ وأنهم براء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب ، قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب. شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً قال: صدقت، قال: فعجبنا له، يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره؛ قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة، رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق، فلبثت ملياً. ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟


قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل ، أتاكم يعلمكم دينكم) (1) .


يقول عمر ، رضي الله عنه وأرضاه: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من الأدب منه رضي الله عنه حيث لم يقل (كان صلى الله عليه وسلم جالساً معنا) لأنه ليس من الأدب أن تأتي بفضيل، أو نبيل، أو عالمٍ جليل، وتقول: أتى معي، وركب معي، ودخل معي، وخرج معي.


والمجالس مجلسان.. مجلس لله، ومجلس للشيطان:


فأما مجلس الله: فمجلس أوليائه، وأحبائه، ومجالسهم معروفة.


قيل لـابن المبارك الزاهد الشهير: مع من تجلس؟


قال:






من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأتِ حلقة مسعر بن كدام














فيها السكينة والوقار وأهلها أهل العفاف وعلية الأقوام










ومجالس أهل الخير، إذا جلسوا فيها، عمروها بالتقوى.


حضرت الوفاة عمر بن الخطاب ، بعد أن طعن، فقال: ما آسي على الحياة إلا على ثلاث: قيام الليل، وصيام الهواجر، والجلوس مع أقوام ينتقون أطايب الكلام كما تنتقى أطايب التمر.


قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم.


(بينما) تستخدم للفجاءة، أي: إذا طلع.. وكل شيء بقضاء وقدر، فلا يقال: رأيته فجأة، إلا في العربية، ولكن كل شيء بقضاء وقدر لا صُدفة.


قال: إذ طلع علينا رجل.. مَن هو الرجل؟


إنه جبريل .


لماذا سماه عمر رجلاً، وهو ملك؟


قالوا: لأنه اعتقد أنه رجل فسماه رجلاً، وما كذب عمر ، وما زاغ، وما طغى في كلامه.


ثم قال: شديد بياض الثياب، وهذا: أمر طيب، وهو شعار المسلم، والمسلم يحب البياض، ويلبس البياض، ويرتاح للبياض إلا للحاجة.


وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (ونقني من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) (1) .


قال: إذ طلع علينا رجل، شديد بياض الثياب.. لماذا استنكر عمر شدة البياض؟


قالوا: لأنه لو كان مسافراً، لكان مدنس الثوب.


قال: شديد سواد الشعر، ولا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد.


والسفر سفران: سفر له أوبة، فهو: سفر قصير، وهو: السفر من مكان إلى مكان.


وسفر: لا أوبة بعده، وهو: السفر إلى الدار الآخرة.


كان الحسن البصري يبكي إذا ودعّ أصحابه، ويقول:






وخفَّفَ وجدي أن فرقة واحدٍ فراق حياة لا فراق ممات










قال: لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد.. والسؤال الذي أورده الشرّاح: (لماذا يقول عمر رضي الله عنه:


لا يعرفه منا أحد؟


) وهل جزم أن الناس لا يعرفونه؟


قالوا: هذا على حسب ما ظهر لـعمر رضي الله عنه.


قال عمر رضي الله عنه: فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، فخذ مَن؟


على فخذَي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا من الأنس، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم؛ لأن بعض الناس لا تستطيع أن تضع يديك عليه.. كان صلى الله عليه وسلم ربما شبك أصابعه في أصابع أصحابه، وربما داعبهم.


وأتاه جرير بن عبد الله فضرب على صدره.


تجد بعض الناس من غلظته وفظاظته، لا تستطيع أن تقرب منه.. فبينك، وبينه ثلاثة أمتار، ولا تستطيع أن تنظر إليه، وإذا نظرت إليه تقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق!!


قال تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)).


فوضع يديه على فخذيه، ثم قال: يا محمد، أخبرني ما الإسلام؟


فأخبره صلى الله عليه وسلم عن الإسلام بتعريف بسيط سهل؛ لأن الإسلام لا يحتاج في تعريفه إلى محاضرات ومجادلات.


قال: (ما الإسلام؟


قال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً).


قال: صدقت، قال عمر رضي الله عنه: فعجبنا له: يسأله، ويصدّقه، عجب عمر رضي الله عنه لأن الجاهل ليس عنده سابق علم، فلماذا يُصدق أو يكذِّب؟


يقول أهل العلم: (لا إله إلا الله) لها اشتقاقات منها: الحسْب والتوكل والمحبة والقصد والإرادة.


فأما الحسب: فنطقها إبراهيم عليه السلام فأصبحت النار باردة.. كيف الحسب؟


قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.


والحسب نطقها موسى عليه السلام ففجر الله له البحر.


وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم لما ألقي في النار، فجعلها الله عز وجل برداً وسلاماً) (1) .






مد الجُسُورَ إلى الرحمن معتمداً واشْدُدْ يَدَيْكَ فإن الربَّ برهان














والْزَمْ يَدَيْكَ بِحَبْل الله معتصماً فإنه الركنُ إن خَانَتْك أركان










أتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أُحد، وقد أنهك أصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إن الناس قد جمعوا لكم، فاخشوهم، فزادهم إيماناً، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ((فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)).


يذكر عن علي بن أبي طالب أنه كان في الكوفة يحكم تحت جدار، والجدار يريد أن ينقض، فقالوا: يا أمير المؤمنين، الجدار يريد أن ينقض عليك.


قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فما سقط الجدار، فلما قام من المكان سقط الجدار.


وفي لا إله إلا الله: محبة، ذاقها الصحابة، فقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله عز وجل.


وفي لا إله إلا الله إرادة.. تعلق إرادة العبد بالله عز وجل حتى ما يريد إلا الله سبحانه وتعالى.


وفي لا إله إلا الله: اعتماد الله عزَّ وجلَّ وحده دون غيره.


فـأبو بكر الصديق في مرض الموت قالوا: [ماذا تشتكي؟


قال: ذنوبي!


قالوا: ماذا تريد؟


قال: أريد المغفرة.


قالوا: ألا ندعو لك طبيباً؟


قال: الطبيب قد رآني.


قالوا: ماذا قال؟


قال: يقول: (إني فعال لما أريد)!؟


].


قوله صلى الله عليه وسلم: وأن محمداً رسول الله أي: أن محمداً رسول الله هو: المبلغ عن الله عزَّ وجلَّ وهو توحيد الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالشهادة لمحمد بن عبد الله بالرسالة، تعني: الانقياد والاستسلام لكل قول وفعل وتقرير منه صلى الله عليه وسلم في كبائر الأمور وصغائرها، وصعب الأمور وسهله، ورخاء الحال وعسرها، وبعبارة أخصر هي متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمر مع التسليم والانقياد لحكمه.


قوله: وتقيم الصلاة.. السؤال لماذا لم يقل: أن تصلي؟


بل قال: تقيم الصلاة؟


قالوا: أي: تؤدي الصلاة بلوازمها من حسن الوضوء، وطهارة الثوب والمحل، والتجمل لله عزَّ وجلَّ، ثم أداءها في خشوع مع أول وقتها وغير ذلك من آدابها.


وقيل: يعني: تصلي صلاة تمنعك من الفواحش، تصلي صلاة تصلك بالله تعالى.


قال عزَّ وجلَّ: ((إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)).


في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم في مرض الموت، سمع النداء، نداء الحبيب: أذان بلال الشهير.


فقام صلى الله عليه وسلم، ثم سقط، فغسل بالماء، فأغمي عليه خمس مرات، وفي الأخير قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) (1) .


فتقدم أبو بكر فصلّى، فما عرف الناس ماذا قال في الصلاة من كثرة البكاء؟


يبكي على فقد إمام يقود الأمة إلى قيام الساعة إلى الجنة، مَن تخلّف عن ركبه لا يذوق السعادة، ولو جمع أموال الدنيا.


وفي الحديث: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار) (1) ، والله جلَّت قدرته يقول: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)).


قال: وأن تؤتي الزكاة، والزكاة في أمور: زكاة القلب: تقوى الله، وزكاة العين: غضها عن المحارم، والنظر بها في آيات الله عز وجلَّ، وزكاة الأذن: استماع الحق، وكفها عن سماع الباطل، وزكاة اليد: نفع الناس، وعدم البطش، وزكاة اللسان: إنفاقٌ مما أعطاك الله من العلم، والدعوة، والأمر بالمعروف، وحبس عن الغيبة، والنميمة، والزور، وزكاة المال: ببذله في وجوه الخير كما تعرفون.


ثم قال: وأن تصوم رمضان، أي: إيماناً واحتساباً.


ثم قال: وأن تحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، أي: بالشروط التي ذكرها العلماء لوجوب الحج، وهي معروفة في مصادر الفقه المختلفة.


ثم سأله عن الإيمان فأجابه، وعن الإحسان فأخبره، وهكذا عن الساعة وعلاماتها.


ويهمنا في هذا الحديث الطويل المسمى بحديث ( جبريل ) أن نأخذ منه بعض الفوائد.. وهي:


أولاً: أدب السؤال، وطريقته، والاستفادة من أسلوب جبريل ، عليه السلام، في ذلك، فنحن قد افتقرنا إلى هذا، يوم تركنا التلقي عن الكتاب والسنة.


ثانياً: حرص المسلم على طلب العلم، وسؤال العلماء.


ثالثاً: حسن الجواب منه صلى الله عليه وسلم.


وأجوبته صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام:


1- المطابقة: أي: أن يجيب على قدر السؤال بنعم أو لا.


2- جواب الحكيم: أي: أن يجيب على السؤال بجواب آخر غير المطلوب لحكمة، كقوله تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ))، فهم سألوا عن سبب كبرها وصغرها في السماء، فأجابهم بقوله: ((قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ))، فصرفهم إلى الأنفع لهم، وهو: معرفة الحكمة من خلقها، وفائدتها لهم.


3- الزيادة على السؤال: كحديث (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) (1) ، لما سئل عن طهارة ماء البحر، فكان يستطيع أن يقول: هو طاهر، أو أن يقول: نعم، ولكنه زاد في الجواب لحكمة اقتضاها الحال.


هذا ما حضرني حول هذا الحوار الشيق بين روح القدس، وبين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأسأل الله تعالى أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى.


وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واللّه تعالى أعلم.






حديث الهجرة

يقول الله تبارك وتعالى: ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَالله خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)).



عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من رحلة الإسراء والمعراج، وهبط إلى الأرض، عاد من أعجب وأعظم وأخطر رحلة عرفتها البشرية، عاد إلى موطنه ومأواه وأهله وعشيرته، عاد ومعه آيات من ربه يؤمن على مثلها البشر، ولكن الكفار المشركين ما ازدادوا إلا عتواً وعناداً واستكباراً وإيذاءً له صلى الله عليه وسلم، فكان من الحكمة أن يهاجر، وأن يترك وطنه ودياره.


وترك الوطن والديار ومراتع الصبا، مصيبة وأي مصيبة، لا يدرك حجمها وعظمها إلا من ذاق مرارتها، وقد قرن سبحانه بين ترك الوطن والقتل، حيث قال سبحانه وتعالى: ((وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ))، فدل على أن إخراج الإنسان من الوطن الذي ولد وتربى فيه، وحرمانه من مراتع الفتوة، وملاعب الصبا، ومغاني الشباب من أشد الأمور قسوة على النفس، تخيل نفسك مطروداً من الأرض التي ولدت وعشت فيها، واستنشقت هواءها، وشربت ماءها، واستظللت بسمائها، تخيل نفسك تخرج من بين أترابك وأقرانك وعشيرتك وإخوانك وقرابتك! لا شك أن ذلك من أشق الأشياء على النفس.


فما من شيء من المشاق والمصائب والأذية؛ إلا وقد تعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل ما يخطر بالبال من الشدائد والبلايا قد أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومصداق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه) (1) ، ولكن لم هذا العنت وهذا البلاء وهذا الاختبار؟


الجواب أن يقال: لكي ينال شرف النبوة بحق، وليرتقي في سلم الكمال بصدق، وليكون سيد المبتلين بجدارة، وإمام الصابرين بلا منافسة. وكذا ليكون لأتباعه المثل الأعلى، والقدوة المثلى، والأسوة الحسنة، فأنت أيها الداعي إذا وجهت لك كلمة نابية مؤذية جارحة، فاعلم أن قدوتك نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، وجهت إليه مئات الكلمات الجارحة المؤذية التي آذت قلبه، وجرحت مشاعره، وآلمت نفسه، وأحزنت فؤاده، مئات الكلمات، بل ألوف الكلمات كانت عليه أشد من ضربات السيوف ورشق السهام، لتنال من عرضه وشرفه، وطهارته، كلمات يندى لها الجبين، وينفطر منها القلب.


وإذا جعت أيها الداعية؛ فإن قدوتك محمد صلى الله عليه وسلم كان يربط على بطنه الحجر من شدة الجوع، وإذا طردت عن بلدك وموطنك؛ فقد أجبر قدوتك صلى الله عليه وسلم على الخروج من موطنه، وإذا حوصرت وحبست؛ فقد حوصر صلى الله عليه وسلم وحبس في الشعب ثلاث سنوات حتى أكل هو وأصحابه أوراق الشجر، وإذا جرحت؛ فقد جرح، وإذا تحزب عليك الأعداء وتآمروا عليك، فقد تحزبت عليه طوائف الكفر والشرك والطغيان، وتآمروا عليه، وتربصوا به، وآذوه في أسرته وزوجته وقرابته وذريته، فكان صلى الله عليه وسلم في القمة من الصبر، والتحمل، والصمود، والجهاد، فاستحق -بحق- أن يكون أفضل الخلق.


اجتمع الكفار وتآمر الشرك ضد الدعوة الجديدة لوأد الإسلام والقضاء على الرسول الخاتم ونسف الدين، فاجتمعوا في دار الندوة من أجل النظر في شأن محمد وأتباعه.


قال ابن هشام رحمه الله: وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلف معه بـمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن إلا علي بن أبي طالب ، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق رضي الله عنه وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً) (1) . فيطمع أبو بكر أن يكونه.


قال ابن إسحاق : ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا داراً، وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه.


قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما أجمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم غدواً في اليوم الذي اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفاً على بابها؛ قالوا: من الشيخ؟


قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم؛ ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأياً ونصحاً، قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبي سفيان بن حرب (1) .. ثم ذكر باقيهم.


وقال ابن القيم رحمه الله: فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا وحملوا ساق الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج، وعرفوا أن الدار دار منعة، وأن القوم أهل حلقة وشوكة وبأس فخافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ولحوقه بهم، فيشتد عليهم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والحجا منهم يتشاورون في أمره، وحضرهم وليهم وشيخهم إبليس في صورة شيخ كبير من أهل نجد ، مشتمل الصماء في كسائه، وتذاكروا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فأشار كل أحد منهم برأي، والشيخ يرده ولا يرضاه، إلى أن قال أبو جهل : قد فرق لي فيه رأي ما أراكم قد وقعتهم عليه، قالوا: ما هو؟


قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاماً نهداً جلداً، ثم نعطيه سيفاً صارماً، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك كيف تصنع، ولا يمكنها معاداة القبائل كلها، ونسوق إليهم ديته، فقال الشيخ: لله در الفتى، هذا والله الرأي.


قال: فتفرقوا على ذلك، واجتمعوا عليه، فجاءه جبريل بالوحي من عند ربه تبارك وتعالى فأخبره بذلك، وأمره ألا ينام في مضجعة تلك الليلة (1) .


وفي بعض نصوص الشرع: أن الشيطان يتولاهم وينزغهم ويؤزهم، فهو معهم. قالوا: ما رأيكم في محمد، فهو يشهر بنا ويسب آلهتنا ويكفر آباءنا ويسفه أحلامنا؟


قال بعضهم: نرى أن يحبس فلا يخرج ولا تخرج دعوته ولا يلتقي بالوفود، فإن له سحراً يأسر به الناس، ولكن شيخ الضلالة إبليس قال: هذا ليس برأي، نعم، لأنه إذا حبس فسوف تنطلق دعوته من وراء الحبس؛ لأن الأفكار لا يمكن حبسها، ولأن العلم لا يمكن حكره وحدّه، لأنه لا بد أن يزوره أحد فينقل كلمة، ويوصي بجمله، ويعهد إلى غيره بعبارة، وينشر حكمة. فحبسه إذاً غير مفيد، وهذا هو رأي الشيطان، فماذا إذن ينفع مع محمد؟


قالوا: ننفيه من مكة ، فيكون طريداً شريداً بعيداً فريداً وحيداً، وبذا نرتاح منه، قال لهم: لو نفيتموه لأتاكم بعد قليل بجيش جرار وغزاكم في عقر دياركم. إذن ما الحل؟


وما العلاج؟


وماذا نفعل مع محمد؟


قالوا: نقتله. قال: هذا هو الرأي! وهذه هي أمنية إبليس . القتل، أخذوا مجموعة من الشباب من قبائل شتى حتى يتفرق دمه بين القبائل، وأعدوهم بالسيوف، ولكن قدر الله نافذ، ومشيئته غالبة، أجمعوا أمرهم، فأتاه الخبر من السماء، وأوحى إليه ربه ألا تنام في فراشك تلك الليلة، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخلف مكانه علي بن أبي طالب ، وأخذ قبضة من التراب بيده الشريفة فحثى في وجوههم التراب، ويقول: شاهت الوجوه، وتلا قوله تعالى: ((وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ))، فأمسوا في ظلام بهيم، وعماية مستحكمة، وعلاهم النعاس، فمالت رؤوسهم، وسقطت سيوفهم فانهزموا، ونصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأيده وانطلق عليه الصلاة والسلام مهاجراً إلى ربه، يعبده في أرض طيبة، ويخرج من بلده ويودعها، وهو يلتفت إليها فتدمع عيناه، ويبكي فؤاده وهو إمام الصابرين، ويقول: (إنك من أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت).


يقول ابن الرومي :










ولي وطن آليت ألا أبيعه ولا أرى غيري له الدهر مالكاً














عهدت به شرخ الشباب ونعمة كنعمة قوم أصبحوا في ضلالكاً














وحبب أوطان الرجال إليهم معاهد قضاها الشباب هنالكا














إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهودهم الصبا منها فحنوا لذلكا










قالت عائشة : (فبينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لـأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداً له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.


قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن له فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر: أخرج من عندك. فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: فإني قد إذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن) قالت عائشة : [فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب]، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين .


قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور ، فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ، وهو غلام شابٌ، ثقفٌ لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بـمكة كبائت، فلا يسمع أمراً يكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل -وهو لبن منحتهما ورضيفهما- حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل، وهو من بني عبد عدي هادياً خريتاً -والخريت الماهر بالهداية- قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه؛ فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل (1) .


يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس أحد منكم أمن بماله، ونفسه من أبي بكر، واساني بماله، وصدقني حين كذبني الناس، وزوجني ابنته). وقال أيضاً: (ما من أحد له عندنا يد إلا كافأناه بها إلا أبو بكر، فإن له عندنا يداً عسى الله تعالى أن يكافئه عليها).


ومن الحكمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل مسيره اتجاه جنوب مكة ، والمدينة شمال مكة ؛ لأن كفار قريش سوف يبحثون عنه في اتجاه شمال مكة ، لاحتمال أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ، حيث يوجد له فيها أتباع، لأنه بايعه الكثيرون من أهلها، وأرسل إليها رسوله مصعب بن عمير ، إذاً فـالمدينة هي البلدة التي سوف يهاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.


وانظروا إلى التضحيات التي قدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا علي بن أبي طالب الغلام الشاب في أشجع مواقفه وأجرئها على الإطلاق، وهو في هذا السن، ينام على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم والكفار حول بيته يتربصون وقت خروجه، فينقضون عليه انقضاض الأسد على فريسته، فيعملون فيه بسيوفهم، فيعرض علي رضي الله عنه حياته للخطر، وللقتل المحقق، وللموت الأكيد، فيخرج على الكفار برباطة جأش، وقوة فؤاد، وثقة بالله عز وجل يخرج عليهم فيبهتهم.


وهذا أبو بكر الصديق يدخل الغار قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية عليه من أن يصيبه مكروه، أو أذى من ثعبان، أو حشرة مؤذية، فيدخل الغار، ويسد الثوب التي بالغار بعمامته يقطعها ويسد بها، وعندما أحكم الثقوب دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم.


ويروى أن أبا بكر رضي الله عنه سد أحد الثوب برجله، فلدغته عقرب فأخذ يتلوى من شدة الألم ويبكي، والدموع تتحدر على لحيته، والنبي صلى الله عليه وسلم نائم على فخذ أبي بكر ، ولما أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رجله فبرئت بإذن الله.


أعلن كفار مكة أن من يأتي بمحمد، فله جائزة مائة ناقة. فقام الصعاليك، وتجهزوا كل يريد أن يفوز بالجائزة، الكل يأمل في العطية في المائة ناقة فراحوا يفتشون ويبحثون وينقبون جبال مكة والطرقات والمنعطفات والكهوف والمغارات في كل وجهة، وفي كل مكان، يقلبون خلف كل حجر ومدر وشجر، وفي كل واد، وعلى كل جبل، يبحثون عن أعظم إنسان وأفضل مخلوق ليرتكبوا أبشع جريمة، وأفظع مجزرة في تاريخ البشرية، يريدون قتل محمد صلى الله عليه وسلم، حريصون على قتل الخير والحق والعدل، والطهر والعفاف والسماحة والإسلام والإيمان والإحسان والنور والفضيلة، ولكن ما كان الله ليسلطهم عليه، فهو صلى الله عليه وسلم محفوظ بحفظ الله، وعناية الله، وتوفيق الله. وقد وصل هؤلاء المشركون إلى الغار الذي فيه الصاحبان: محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر .


يروي أهل السير أن الله عز وجل سخر العنكبوت فبنت بيتها على فم الغار، والعنكبوت أضعف المخلوقات، والله عز وجل لا يقاتل الطغاة إلا بأضعف مخلوقاته، فلم يدل على بلقيس إلا الهدهد، ولم يفجر دماغ النمرود إلا البعوضة، وتحدى الله البشر بذبابة، ليبين سبحانه قوته، فكيف لو استخدم القوة العظمى، وسلط ملائكته، فنعوذ بالله من غضبه، وعقابه، وشر عباده.


وعند أهل السير أيضاً أن الحمامة باضت في عشها على فم الغار، فصرف الله الكفار عن الغار، يقول الشاعر:






ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم














عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عال من الأطم










صعدوا إلى الغار، وأبو بكر ينظر إليهم ويقول: (يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا، ورسول الله يبتسم ويقول: ما ظنك باثنين الله ثالثهما: ((لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا)))


ولندع ابن القيم يحكي لنا طرفاً من قصة المؤامرة والمطاردة، قال رحمه الله: وأمر صلى الله عليه وسلم علياً أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب، ويرصدونه ويريدون بياته، ويأتمرون أيهم يكون أشقاهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فأخذه حفنة من البطحاء، فجعل يذره على رؤوسهم وهم لا يرونه، وهو يتلو: ((وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ))، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلاً، وجاء رجل ورأى القوم ببابه، فقال: ما تنتظرون؟


قالوا: محمداً. قال: خبتم وخسرتم قد والله مر بكم وذر على رؤوسكم التراب. قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب من على رؤوسهم، وهم: أبو جهل ، والحكم بن العاص ، وعقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، وزمعة بن الأسود ، وطعيمة بن عدي ، وأبو لهب ، وأبي بن خلف ، ونبيهو منبه ابنا الحجاج ، فلما أصبحوا؛ قام علي عن الفراش، فسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: [لا علم لي به].


ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه، وضرب العنكبوت على بابه. وكانا قد استأجرا عبد الله بن أريقط الليثي ، وكان هادياً ماهراً بالطريق، وكان على دين قومه من قريش، وأمناه على ذلك، وسلماه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث. وجدت قريش في طلبهما، وأخذوا معهم القافلة، حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه، ففي الصحيحين أن أبا بكر قال: (يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما، ((لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا)))، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يسمعان كلامهم فوق رؤوسهما، ولكن الله سبحانه عمى عليهم أمرهما، وكان عامر بن فهيرة يرعى عليهما غنماً لـأبي بكر ، ويستمع ما يقال بـمكة ، ثم يأتيهما بالخبر، فإذا كان السحر سرح مع الناس.


ثم قال: وذكر الحاكم في مستدركه عن عمر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار معه أبو بكر ، فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال له: (يا رسول الله! أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال: يا أبا بكر! لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟


قال: نعم، والذي بعثك بالحق، فلما انتهى إلى الغار؛ قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله! حتى استبرئ لك الغار، فدخل، فاستبرأه، حتى إذا كان في أعلاه؛ ذكر أنه لم يستبرئ الحجرة، فقال: مكانك يا رسول الله! حتى أستبرئ الحجرة، ثم قال: انزل يا رسول الله! فنزل، فمكثا في الغار ثلاث ليالٍ حتى خمدت عنهما نار الطلب، فجاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين، فارتحلا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة وسار الدليل أمامهما وعين الله تكلؤهما وتأييده يصحبهما وإسعاده يرحلهما وينزلهما).


ولم يئس المشركون من الظفر بهما؛ جعلوا لمن جاء بهما دية لكل واحد منهما، فجد الناس في الطلب، ((وَالله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ))، فلما مروا بحي بني مدلج مصعدين من قديد؛ بصر بهم رجل من الحي، فوقف على الحي، فقال: لقد رأيت أنفاً بالساحل أسودة ما أراها إلا محمداً وأصحابه، ففطن بالأمر سراقة بن مالك ، فأراد أن يكون الظفر له خاصة، وقد سبق له من الظفر ما لم يكن في حسابه، فقال: بل هم فلان وفلان، خرجا في طلب حاجة لهما، ثم مكث قليلاً، ثم قام فدخل خباءه، وقال لخادمه: اخرج بالفرس من وراء الخباء، وموعدك وراء الأكمة، ثم أخذ رمحه، وخفض عاليه، يخط به الأرض حتى ركب فرسه، فلما قرب منهما وسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر يكثر الالتفات، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلتفت، فقال أبو بكر : (يا رسول الله! هذا سراقة بن مالك قد رهقنا، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت يدا فرسه في الأرض، فقال: قد علمت أن الذي أصابني بدعائكما، فادعوا الله لي، ولكما علي أن أرد الناس عنكما، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاباً، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم، وكان الكتاب معه إلى يوم فتح مكة ، فجاءه بالكتاب، فوفاه له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يوم وفاء وبر، وعرض عليهما الزاد والحملان، فقالا: لا حاجة لنا به، ولكن عم عنا الطلب، فقال: قد كفيتم، ورجع فوجد الناس في الطلب، فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر، وقد كفيتم ما هاهنا، وكان أول النهار جاهداً عليهما وآخره حارساً لهما) (1)


خرج سراقة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستلم الجائزة ويسلم محمداً لأعدائه، ولكن سراقة الآن يطلب الآمان من محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه فكتب أبو بكر له الأمان، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـسراقة : (كيف بك يا سراقة إذا تسورت بسواري كسرى ؟


قال سراقة متعجباً: كسرى أنوشروان).. هكذا والرسول صلى الله عليه وسلم مطارد، لا يجد كسرة خبر، ويعد سراقة بأنه سوف يتسور بسواري كسرى ، أكبر إمبراطور، وأعظم حاكم لدولة فارس ، من يتصور هذا؟


أو يتخيل أنه سوف يكون؟


دارت الأيام، وفتح الله على المسلمين دولة فارس ، هدمها سعد بن أبي وقاص ، وداس عرش كسرى وسحبوه من على سريره ذليلاً مهاناً، وأخذوا سواريه غنيمة، فأتى بالسوارين، وقيل: [أين سراقة بن مالك ؟


فجاءه فسوره فبكى سراقة ، وقال: صدق خليلي صلى الله عليه وسلم]، وهكذا تحققت نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم، وثبتت المعجزة، وتبينت الآية.


كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقدم على أبي بكر فيقول الناس لـأبي بكر : من هذا؟


فيقول: هذا دليل يدلني الطريق. والناس يفهمون من كلام أبي بكر أنه يدله الطريق إلى المدينة ، وإنما مراد أبي بكر يدله على طريق الحق والنجاة والإيمان.


عن البراء قال: (ابتاع أبو بكر من عازب رحلاً، فحملته معه، قال: فسأله عازب عن مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أخذ علينا الرصد، فخرجنا ليلاً فأحثثنا ليلاً ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رفعت لنا صخرة فأتيناها ولها شيء من ظل، قال: ففرشت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروة معي، ثم اضطجع عليها النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع قد أقبل في غنيمة يريد من الصخرة مثل الذي أردنا فسألته: لمن أنت ياغلام؟


فقال: فلان، فقلت له: هل في غنمك من لبن؟


قال: نعم، قلت له: هل أنت حالب؟


قال: نعم، فأخذ شاة من غنمه، فقلت له: انفض الضرع، قال: فحلب كثبة من لبن ومعي إداوة من ماء عليها خرقة، قد روأتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: اشرب يا رسول الله؛ فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رضيت، ثم ارتحلنا والطلب في إثرنا). (1)






طاردت في الغار من بوأها سؤدداً لا يبلغ النجم مداه














سؤدد عالي الذرى ما شاده قيصر يوماً ولا كسرى بناه










فالذي رفعنا إلى أعلى القمم وحررنا وجعل لنا تاريخهاً هو محمد صلى الله عليه وسلم بفضل الله عز وجل.


قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب المسلمين، كانوا تجاراً من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بـالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم، لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب! هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحيى أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب براحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالمدينة ، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربداً للتمر، لـسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد؛ ليتخذه مسجداً، فقالاً: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجداً. وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن:






هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر










ويقول:






اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة










فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي).


استقبلته القبائل، كل قبيلة تود أن ينزل في ضيافتها، والكل يعرض نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عندنا يا رسول الله العدة والعتاد، والسلاح والنصر، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوها -أي الناقة- فإنها مأمورة) أي اتركوا الناقة تسير، فإذا بركت في مكان فهو الذي رضيه الله لي، استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضيافة أبي أيوب الأنصاري ، فاز بها أبو أيوب ، فاز بضيافة أفضل الخلق، وأشرف البشرية وأطهرها جمعاء محمد صلى الله عليه وسلم.


لم تكن حياته صلى الله عليه وسلم -سواء في مكة أو المدينة - حياة فتور أو كسل أو خمول، بل حياة جد واجتهاد وعمل دائب، فحياته كلها جهاد ودعوة وتضحية ومواعظ ودروس وفوائد وإخاء ووفاء، ثلاث وعشرون سنة كلها عطاء، استفاد منها العلماء والفقهاء، والمفسرون والمحدثون، والأصوليون والمؤرخون.






فكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الدين










أول ما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ببناء المسجد، منطلق النور والهداية، ومصدر الإشعاع والبركة، والسعادة والخير، والحق والعدل، والإنصاف والسماحة، وهكذا ينبغي على المسلم أن يحافظ على المسجد، ويتعلق قلبه به، حتى يظل في ظل الله يوم القيامة، ويكون من الأصناف السبعة الذين ذكروا في الحديث (1) . ويروى: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد؛ فاشهدوا له بالإيمان) (1)


وإذا مرضت فهو يشفين

قال أبقراط : الإقلال من الضار، خير من الإكثار من النافع.



وقال: استديموا الصحة بترك التكاسل عن التعب، وبترك الامتلاء من الطعام والشراب.


وقال بعض الحكماء: من أراد الصحة: فليجود الغداء، وليأكل على نقاء، وليشرب على ظماء،


وليقلل من شرب الماء، ويتمدد بعد الغداء، ويتمش بعد العشاء، ولا ينم حتى يعرض نفسه على الخلاء، وليحذر دخول الحمام عقيب الامتلاء، ومرة في الصيف خير من عشر في الشتاء.


وقال الحارث : من سره البقاء -ولا بقاء- فليباكر الغداء، وليعجل العشاء، وليخفف الرداء، وليقل غشيان النساء.


وقال أفلاطون : خمس يذبن البدن، وربما قتلن: قصر ذات اليد، وفراق الأحبة، وتجرع المغايظ، ورد النصح، وضحك ذوي الجهل بالعقلاء.


ومن جوامع كلمات أبقراط قوله: كل كثير فهو معاد للطبيعة.


وقيل لـجالينوس : ما لك لا تمرض؟


فقال: لأني لم أجمع بين طعامين رديئين، ولم أدخل طعاماً على طعام ولم أحبس في المعدة طعاماً تأذيت منه.


وأربعة أشياء تمرض الجسم: الكلام الكثير، والنوم الكثير، والأكل الكثير، والجماع الكثير.


فالكلام الكثير: يقلل مخ الدماغ ويضعفه، ويعجل الشيب. والنوم الكثير: يصفر الوجه، ويعمي القلب، ويهيج العين، ويكسل عن العمل، ويولد الغليظة، والأدواء العسرة. والجماع الكثير: يهد البدن، ويضعف القوى، ويجفف رطوبات البدن، ويرخي العصب، ويورث السدد، ويعم ضرره جميع البدن، ونخص الدماغ لكثرة ما يتحلل منه من الروح النفساني. وإضعافه أكثر من إضعاف جميع المستفرغات، ويستفرغ من جوهر الروح شيئاً كثيراً.


أربعة تهدم البدن: الهم، والحزن، والجوع، والسهر.


وأربعة تفرح: النظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري، والمحبوب، والثمار.










نظرنا إلى تلك الوجوه عشية فأشرقت الأرواح من حسر ما نرى










وأربعة تظلم البصر: المشي حافياً، والتصبح والإمساء بوجه البغيض والثقيل والعدو، وكثرة البكاء، وكثرة النظر في الخط الدقيق.


وأربعة تقوي الجسم: لبس الناعم، ودخول الحمام المعتدل، وأكل الطعام الحلو والدسم، وشم الروائح الطيبة.


وأربعة تيبس الوجه، وتذهب ماءه وبهجته وطلاقته: الكذب، والوقاحة، وكثرة السؤال عن غير علم، وكثرة الفجور.


وأربعة تزيد في ماء الوجه وبهجته: المروءة، والوفاء، والكرم، والتقوى.


وأربعة تجلب البغضاء والمقت: الكبر، والحسد، والكذب، والنميمة.


وأربعة تجلب الرزق: قيام الليل، وكثرة الاستغفار بالأسحار، وتعاهد الصدقة، والذكر أول النهار وآخره.






قلت لليل هل بصدرك سر يا خفي الأخبار والأسرار














قال لم ألق في حياتي سراً كحديث الأحباب في الأسحار










وأربعة تمنع الرزق: نوم الصبحة، وقلة الصلاة، والكسل، والخيانة.


وأربعة تضر بالفهم والذهن: إدمان أكل الحامض والفواكه، والنوم على القفا، والهم، والغم.


وأربعة تزيد في الفهم: فراغ القلب، وقلة التملي من الطعام والشراب، وحسن تدبير الغذاء بالأشياء الحلوة والدسمة، وإخراج الفضلات المثقلة للبدن.






وللأولياء كرامات

هذا صلة بن أشيم العابد الزاهد من التابعين:



يذهب إلى الشمال ليجاهد في سبيل الله، ويضمه الليل فيذهب إلى غابة ليصلي فيها، ويدخل بين الشجر ويتوضأ، ويقوم مصلياً، وينهد عليه أسد كاسر، ويقترب من صلة وهو في صلاته، ويدور به، وصلة في تبتله مستمر، ولم يقطع صلاته وذكره، ويسلم صلة بن أشيم من ركعتين، ثم يقول للأسد: إن كنت أمرت بقتلي فكلني، وإن لم تؤمر فاتركني أناجي ربي.


فأرخى الأسد ذيله وذهب من المكان، وترك صلة يصلي.


ولك أن تنظر في البداية والنهاية وغيرها من كتب التاريخ، وهذا مذكور عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتب تراجم الصحابة، أنه أتى هو ورفقة معه من ساحل البحر، فلما نزلوا البر فإذا بأسد كاسر مقبل يريدهم، فقال سفينة: يا أيها الأسد أنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا خادمه، وهؤلاء رفقتي ولا سبيل لك علينا.


فولى الأسد هارباً، وزأر زأرة كاد يملأ بها ربوع المكان.


وهذه الوقائع والأحداث لا ينكرها إلا مكابر، وإلا ففي سنن الله في خلقه ما يشهد بمثل هذا، ولولا طول المقام لأوردت عشرات القصص الصحيحة الثابتة في هذا الباب، لكن يكفيك دلالة من هذا الحديث، لتعلم أن هناك رباً لطيفاً حكيماً لا تغيب عنه غائبة.


إن علم الله يلاحق الناس، ولطفه سبحانه وتعالى وشهوده واطلاعه:


((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا)).






لفضيلة الشيخ الدكتور/ عائض القرني

فن الحياة

نوِّع ثقافتك، شكِّل مواهبك، غاير بين حالتك في المعيشة، لأن الرتابة مملة، والاستمرار سأم، ولذلك تنوعت العبادات من صلاة وصيام، وزكاة وحج، وتنوعت الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود.



الزمن يتجدّد: ليل ونهار، وصيف وشتاء، حر وبرد، مطر وصحو.


المكان يتجدّد: جبل وسهل، رابية وهضبة، غابة وصحراء، نهر وغدير.


الألوان تتجدّد: أبيض وأسود، أحمر وأصفر، أخضر وأزرق.


الحياة تتجدّد: فرح وحزن، محنة ومنحة، ولادة وموت، غنى وفقر، سلم وحرب، رخاء وشدة.


كان المأمون ينتقل في بيته وهو يقرأ، وأنشد قول أبي العتاهية:


لا يصلح النفس ما دامت مدبّرة إلاَّ التنقل من حال إلى حالِ


اجعل وقتاً للتلاوة، ووقتاً للتفكُّر، وثالثاً للذكر، ورابعاً للمحاسبة، وخامساً للمطالعة، وسادساً للنـزهة، وهكذا وزِّع العمر فيما ينفع.


النفس نفورة، والطبيعة متقلبة، والمزاج يتضجر، فحاول أن تكون مسافراً خرّيتاً، وتاجراً صيرفياً، تأخذ من كل شيء أحسنه، ومن كل فن أجمله.


إنّ كدّ النفس على طريقة واحدة، ونسج واحد، قتل لإشراقها وأشواقها، وإن أخذ الطبيعة بالصرامة المفرطة والجد الصارم انتحار لها.


ولكن ساعة وساعة، إن هناك بدائل من أعمال الخير، وأصول الفضائل، وسنن الهُدى، يمكن للعبد أن ينتقل بين حقولها، ويراوح بين جداولها.


ما أحسن الحديقة يوم تضم أشكال الزهور، وأنواع الفواكه، وسائر الأذواق والطعوم، وكذلك حالات النفس وأطوارها، لابد أن يكون عندها من سعة الأفق، ورحابة المعرفة، ووسائل الحياة، وصنوف الهيئات المباحة ما يسعدها.


وإن كبت النفس في مسارات ضيقة، ورتابة باهتة، ما أنزل الله به من سلطان، يجعل النفس ذاوية منهكة محطمة: (( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ))[الحديد:27].


والأجدر بالأنسان أن يضرب في كل غنيمة من أعمال الخير والبر بسهم:


يَوماً يَمانٍ إِذا لاقَيتُ ذا يَمَنٍ وَإِن لَقيتُ معَدِّياً فَعَدناني


إذاً فكن ذكياً في توزيع الوقت على أعمالك واعلم أنك بعقلك المبدع وفكرك الخلاَّب تحول كوخك الضيق إلى قصر مشيد، وقد تحول بإحباطك وتشاؤمك حديقتك الغناء إلى مقبرة؛ لأن السعادة تنطلق من النفس وليس مما يحيط بالإنسان فتجد العاقل لا يأنس لحياة الجسم فحسب بل يريد مُثُلاً عُليا وأهدافاً سامية، أما الجاهل فهمُّه مطعمه وملبسه كما قال صديقنا أبو الطيب:


ذو العَقلِ يَشقى في النَعيمِ بِعَقلِهِ وَأَخو الجَهالَةِ في الشَقاوَةِ يَنعَمُ


الحياة جملية متى نظرت إليها بأمل وحب واستثمار، والدنيا سوداء كالحة متى نظرت إليها بنظارات سوداء كما قال إيليا أبو ماضي:


أترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى فوقه الندى أكليلا ؟


إن قصيدة (أغنية الفجر) للشاعر العالمي (طاغور الهندي) ملخصها أنه سأل الله أن يرزقه مالاً ليشتري دراجة تحمله إلى السوق، ولكنه ألتفت فوجد رجلاً جالساً مبتور القدمين فصاح: يا ربي شكراً شكراً ما أريد دراجة تكفيني قدمامي.


لماذا لا نستثمر عيوننا الجميلة وأيدينا القوية وقلوبنا الحية في صنع حياة كريمة؛ إنّ عندنا مواهب ربانية عظيمة لكن الكثير يعطلها ولا يستثمرها فيعيش منكداً محروماً فلله الحمد على ما أنعم به.

للدكتور: عائض القرني..

عجيبة هي الدنيا‎

عجيبة هي الدنيا ..





تتركنا ..نتمنى ..نأمل ..نحلق كفراشات تحلم أن تكون طيوراً تحلق في جو السماء...

ولكنها لاتتعدى مداها...وأفق دنياها المحدود الذي رسم لها...



ليتنا ندرك هذا الدرس وننقشه في قلوبنا نقشاً لاتعبث به رياح الأهواء والشهوات..





ليتنا لانتعدى تلك الخطوط المرسومة أبداً...

رغم وضوحها وظهورها إلا إن عين أمانينا وحبال آمالنا تتسلق تلك الحواجز..

وتقفز تلك الحدود ..وتمضي بعيداً بعيداً كبعد أمانينا صعوداً وبعداً...

ليتنا ندرك أننا زهوراً تنتظر القطاف .. وثماراً ربما لاتدرك موسم الحصاد...











ليتنا نقدر أنفسنا قدرها ..ونعلم أننا ماخلقنا إلا لعبادة الله ...

نضيء حياتنا بهذا النور ونحرث ونزرع في أرض الآخرة...

حتى ينفذ الوقود وتنطفيء شمعة الحياة...ولاانطفاء إذ تضيء هناك..

نوراً عظيماً لمن كانوا من الأكياس في دنياهم ..

ولم يغتروا كغيرهم يسيرون في طريقٍ نورهم

يسعى بين أيديهم وبأيمانهم...ليتنا ندرك زيف الحياة ..















وأنها بهرج وزخرف ..خداعة غرارة... ليتنا نعلم أنها مارفعت إلا وستضع ..

وما أعطت إلا لتمنع ..وأنها ماوهبت إلا لتفجع حالها في تقلب ..

يصرفها من بيده مقادير كل شيء ...بحكمة وعلم...



أترانا نعقل هذا الدرس قبل أن نفجع وتقطع حبال الآمال الواهية...؟؟!!

اللعب واللهو والتجارة ... إعجاز بياني محكم

آيات كثيرة في كتاب الله تعالى نمرّ عليها دون أن ندرك الإعجاز الذي أودعه الله في كلماتها وعباراتها. إن بلاغة القرآن لا يتذوَّقها إلا من أحب القرآن وأصبح هذا الكتاب العظيم كل شيء في حياته! وإنني أقول وبثقة تامة: في كل آية من آيات القرآن هناك معجزة بيانية رائعة، لا يمكن لبشر أن يأتي بمثلها.







ومن خلال هذه السلسلة من المقالات سوف نرى بلغة "الإحصاء" وبما لا يقبل الشك أن الإعجاز لا يقتصر على علم الفلك أو الطب أو الأرض... بل هناك إعجاز بلاغي محكم يمكن لأي إنسان أن يراه حتى ولو لم يكن يفقه شيئاً من اللغة العربية!






وقد تستغرب عزيزي القارئ من هذا الكلام! فكيف يمكن لإنسان ملحد لا ينطق العربية أن يتذوق بلاغة القرآن وهو لا يؤمن به أصلاً؟ ونقول إنه لن يتذوق حلاوة هذا الإعجاز، ولكن سيراه كما يرى نفسه. لأن الله تعالى لم ينزل هذا القرآن لجماعة من العرب تعيش قبل أربعة عشر قرناً! بل أنزله لجميع البشر ولكافة العصور.






والله تعالى يعلم أنه سيأتي زمن على الناس لن يصبح للبلاغة العربية مكاناً في عقولهم أو قلوبهم، فهل هذا يعني أن المعجزة البلاغية ستتوقف؟ بالطبع لا، لأن الله أودع أشكالاً أخرى من الإعجاز البلاغي يمكن لكل ملحد أن يراه ليكون حجة عليه يوم لقاء الله عز وجل.






سوف نتعمَّق قليلاً في كلمات تدل على اللهو واللعب مثلاً وهي أمور تخص الحياة الدنيا، ونرى كيف تناولها القرآن، وهل يمكن لأكبر أدباء العالم أن يرتبوا مثل هذه الكلمات بنفس هذا الترتيب لتعطي المعنى الدقيق دائماً؟






اللهو والتجارة






لنتأمل أواخر سورة الجمعة حيث يقول تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [الجمعة: 11]. وهنا لو دقّقنا النظر نجد "اللهو" تكرر مرتين ولكن بصيغتين مختلفتين:






- (تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا): التجارة تسبق اللهو.






- (مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ) اللهو يسبق التجارة.






والسؤال: هل هناك حكمة بيانية من هذا الترتيب؟






في بداية الآية نجد أن جماعة من الناس تركوا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، وذهبوا عندما سمعوا بقافلة في الخارج، وأسرعوا لينظروا ما فيها من بضائع ليشتروا منها. فنزلت هذه الآيات الكريمات في أواخر سورة الجمعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الجمعة: 9]. وهنا تتجلى لطيفة بيانية أخرى في قوله تعالى: (مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) لم يقل تعالى: (يوم الجمعة) فقط لأن ذلك سيعني كل أوقات الصلاة في يوم الجمعة أي الصلوات الخمس، بل قال: (مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) أي من بعض يوم الجمعة، وحدَّد بذلك وقت محدداً وهو وقت الظهر.






إذاً في بداية الآية هناك حدث وقع وكان سبباً في نزول الآيات وهو القافلة التجارية وذهاب الناس إليها فبدأت الآية بكلمة (التجارة) ثم (اللهو)، لأنهم بعد ذهابهم للقافلة سيشترون بعض الأشياء ومن ثم سيتحادثون ويتلهّون بأشياء دنيوية ويخسرون العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.






والآن عندما نتأمل قوله تعالى: (قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ) نجد أن هذا الكلام لم ينزل في طائفة من الناس بل هو موجّه لجميع البشر إلى يوم القيامة، ولذلك بدأ باللهو لأنه هو الأكثر شيوعاً والأكثر تنوعاً ويشمل الغناء والأحاديث اليومية والمسلسلات وكل ما لا نفع فيه.






كلمة (اللعب) في القرآن






تكرر اللعب في القرآن 20 مرة مع مشتقاته، وسبحان الله، عندما تتبَّعتُ هذه الكلمات في كتاب الله وجدتُ شيئاً محيراً، فكل كلمة تختص باستخدام محدد ودقيق، وكأننا أمام برنامج هندسي متكامل، كل كلمة فيه لا تأتي إلا مع كلمة أخرى مناسبة لها، وسنشرح ذلك من خلال الأمثلة.






لقد جاءت هذه الكلمة على 8 صيغ (8 أشكال)، وكل صيغة تختص بالحديث عن شيء محدد، كما يلي:






1- كلمة (نَلْعَبُ) وردت مرة واحدة وجاء استخدامها مع الكفار في قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) [التوبة: 65].






2- كلمة (يَلْعَبْ) وردت مرة واحدة وجاءت فقط في قصة سيدنا يوسف على لسان إخوته، يقول تعالى: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [يوسف: 12].






3- كلمة (يَلْعَبُوا) وردت مرتين، والعجيب أن الآيتين تختصان بالكفار، يقول تعالى:






- (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) [الزخرف: 83].






- (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) [المعارج: 42].






إذاً الآية ذاتها تكررت بنفس الكلمات، ليؤكد لنا الله على ضرورة أن نترك هؤلاء الملحدين ليخوضوا ضد الدين وليستهزئوا ويلعبوا في أفكارهم وكلامهم، فهم لابد أن يلاقوا ذلك اليوم الذي سيكون كالصاعقة بالنسبة لهم.






4- كلمة (يَلْعَبُونَ) أيضاً وردت خمس مرات والآيات الخمسة تتحدث عن الكفار كما يلي:






- (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام: 91].






- (أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأعراف: 98].






- (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأنبياء: 2].






- (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) [الدخان: 9].






- (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) [الطور: 11-12].






أي أن هذه الكلمة خاصة بالكفار لم ترد إلا معهم، وكأن الله يريد أن يعطينا إشارة لطيفة إلى أن الكافر من صفته اللهو واللعب والعبث، أما المؤمن فحياته مليئة بالعمل والجد والأهداف، وهذا هو أساس النجاح في الحياة.






وسبحان الله! لقد خصص الله هذه الكلمة لا تأتي إلا في الحديث عن الكفار والملحدين والمكذبين، لأنه اللعب صفتهم، وسوف يلاقون الله يوم القيامة، ولا أدري ماذا سيكون موقف الملحدين من هذا اللقاء وماذا سيقولون للخالق عز وجل وهم الذين أنكروا الله فكيف سيقابلونه!






5- كلمة (لَعِبٌ) تكررت أربع مرات في القرآن، وسبحان الله جميع الآيات جاءت لتتحدث عن الدنيا! لنقرأ هذه الآيات حيث وردت كلمة (لَعِبٌ):






- (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الأنعام: 32].






- (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 64].






- (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) [محمد: 36].






- (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) [الحديد: 20].






انظروا كيف ارتبط اللعب هنا بالحياة الدنيا في جميع الآيات حيث وردت هذه الكلمة، ليؤكد لنا الله أن الحياة الدنيا بالفعل هي لعب ولهو.






6- كلمة (لَعِبًا) تكررت أيضاً أربع مرات مثل سابقتها، وهنا نجد إعجازاً مبهراً، ولكن لنتأمل هذه الآيات الأربعة:






- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة: 57].






- (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) [المائدة: 58].






- (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) [الأنعام: 70].






- (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [الأعراف: 51].






انظروا معي كيف أن الآيات الأربع تتحدث عن اتخاذ الكفار للدين لعباً، أي أن كلمة (لَعِبًا) تأتي دوماً للتعبير عن دين الكفار وكيف يتخذون الدين والصلاة لعباً، وينبغي أن ننتبه إلى أن كلمة (لَعِبٌ) وردت مع الدنيا وكلمة (لَعِبًا) وردت مع الدين، وكلاهما تكرر أربع مرات، فسبحان الله!






7- كلمة (لَاعِبِينَ) تكررت مرتين في الآيات التالية:






- (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) [الأنبياء: 16].






- (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) [الدخان: 38].






وتأملوا كيف أن هذه الكلمة تأتي دوماً في نفس السياق، ولكن جاءت الآية الأولى لتتحدث عن السماء (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ) ولكي لا يظن أحد أن الله قد خلق بقية السموات لعباً، فجاءت الآية التالية لتشمل كل السموات فقال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ) فتأملوا هذه الدقة والشمول في تكرار الكلمات.






8- كلمة (اللَّاعِبِينَ) وردت مرة واحدة في قوله تعالى: (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) [الأنبياء: 55] والآية جاءت في سياق قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام. إذاً هذه الكلمة خاصة بكلام الكفار في زمن إبراهيم.






اللهو واللعب






وردت عبارة (لَعِبٌ وَلَهْوٌ) و (لَهْوٌ وَلَعِبٌ) أربع مرات في القرآن، والعجيب أنها جميعها تتحدث عن الحياة الدنيا، وجميعها جاءت بتسلسل وتدرج في التأكيد على حقيقة أن الحياة الدنيا هي مجرد لعب ولهو، لنتأمل هذه الآيات الأربع:






1- يقول تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الأنعام: 32]. تأملوا كيف بدأت هذه الآية بكلمة (وَمَا) وهي كلمة عادية تستخدم للفت الانتباه فقط، حيث أراد الله أن يلفت انتباهنا إلى أن الدنيا هي مجرد لعب ولهو.






2- يقول تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 64]. وهنا جاء اسم الإشارة (هَذِهِ) ليلفت الانتباه أكثر فهو يتكلم عن حياتنا الدنيا التي نعرفها جيداً والتي نعيشها.






3- يقول تعالى: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) [محمد: 36]. وهنا جاء التأكيد بكلمة (إِنَّمَا) ليلفت الانتباه أكثر، فنحن نعلم أن كلمة (إن) حرف تأكيد وبالتالي يجب أن ننتبه إلى أن الحياة الدنيا بالفعل هي لهو ولعب.






4- يقول تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد: 20]. وهنا نلاحظ أن الآية تبدأ بفعل أمر في قوله تعالى: (اعْلَمُوا) فإذا كانت الآيات الثلاثة السابقة لم تلفت انتباهك ولم تدرك هذه الحقيقة، فالآية الرابعة تأتي لتقول لك بصراحة بل وتأمرك بأن تعلم أن الحياة الدنيا لعب ولهو.






والآن لاحظوا معي هذا التدرج الرائع في مستويات التأكيد على هذه الحقيقة:






1- (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) لفت انتباه وإشارة عادية.






2- (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ) إشارة أكبر .






3- (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) تأكيد.






4- (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) تأكيد أكبر.






والشيء المحير أن هذه العبارة لم ترد في القرآن إلا في هذه المواضع الأربعة وجميعها تتحدث عن الدنيا، ماذا يعني ذلك؟ ليؤكد لنا الله تعالى على حقيقة هذه الدنيا وأنها فعلاً مجرد لهو ولعب. وسبحان الله! نحن نعلم أن الآيات الأربعة حيث ذكر اللهو واللعب نزلت في فترات متباعدة في مكة والمدينة، وبعد ذلك تم ترتيبها حسب ترتيب سور القرآن، فكيف جاء هذا التسلسل العجيب؟






لابد أنه بقدرة الله تعالى، فهو الذي أنزل كتابه وهو الذي رتبه ليكون معجزاً في كل شيء، حتى في ترتيب هذه الكلمات، وهذا الإعجاز يمكن لكل البشر أن يروه ولا أحد ينكره ولا يحتاج لدراسة أساليب البلاغة وقواعد اللغة، بل هو واضح وضوح الشمس، لأن كل كلمة تأتي في سياق محدد وتستخدم استخداماً محدداً من أول القرآن وحتى آخره، فهل هذا العمل بمقدور بشر؟






ــــــــــــ






بقلم عبد الدائم الكحيل






www.kaheel7.com