الاثنين، 14 فبراير 2011

السلطان المفترى عليه عبدالحميد الثاني.!

السُّلطان عبدالحميد الثاني هو السلطانُ الرابع والثلاثون مِن سلاطين الدولة العثمانية، وآخِر مَن امتلك سلطةً فِعلية منهم.

وُلد في شعبان سنة 1258هـ/ 21سبتمبر (أيلول) 1842م، وتلقَّى السلطان عبدالحميد تعليمَه بالقصر السلطاني، وأتْقن من اللُّغات: الفارسية والعربية، وكذلك دَرَس التاريخ وأحبَّ الأدب، وتعمَّق في علم التصوُّف، ونظَم بعض الأشعار باللغة التركية العثمانية.

والسلطان عبدالحميد هو ابن السلطان عبدالمجيد الأوَّل، وأمُّه هي واحدةٌ من زوجات أبيه العديدات، واسمها "تيرمزكان قادين" الجركسية الأصل، تُوفِّيت عن 33 عامًا، ولم يتجاوز ابنُها عشر سنوات، فهو الابنُ الثامن بيْن أبنائه عمومًا، والثاني في الذُّكور، والثاني أيضًا بيْن أبناء عبدالمجيد الذين تولَّوا السُّلطة والخِلافة، فعهِد بعبدالحميد بعدَ وفاة أمه إلى زوجةِ أبيه "بيرستو قادين"، التي اعتنتْ بتربيته، ولم تكن قد رُزِقت أولادًا، وأَوْلتْه محبتها؛ لذا منحَها عند صعوده للعرش لقَب "السلطانة الوالدة".

وعُرِف عنه مزاولةُ الرياضة، وركوب الخيل، والمحافظة على العبادات والشعائر الإسلامية، والبُعد عن المسكرات والميْل إلى العُزلة، وكان حذرًا كتومًا جدًّا، قليلَ الكلام، كثيرَ الإصغاء، من الصعْب غِشُّه، وكان محافظًا على التقاليدِ الإسلامية الشرقية العثمانية التركية، وكان مِن مؤيِّدي المحافظة عليها، وتدرَّب على استخدام الأسلحةِ، وكان يُتقن استخدامَ السيف، وإصابة الهدَف بالمُسدَّس، وكان مُهتمًّا بالسياسية العالمية، ويُتابع الأخبارَ عن موقِع بلاده منها بعِناية فائقة، ودِقَّة نادرة.

تُوفي والده وعمره 18 عامًا، وصار وليَّ عهدٍ ثانيًا لعمه.

تولَّى السلطانُ عبدالحميد الثاني الخِلافة، في 11 شعبان 1293هـ، الموافق 31 آب (أغسطس) 1876م، وكان عمره آنذاك 34 عامًا إلا 19يومًا، وتبوَّأ عرش السلطنة يومئذٍ على أسوأ حال، حيث كانتِ الدولة في منتهَى السُّوء والاضطراب، سواء في ذلك الأوْضاع الداخلية والخارجية.

التشويه والافتراء:
قال الأستاذ علي عبدالعال في مقال له: كاد أنْ يُجمِع العُدولُ مِن كتَّاب وباحِثي التاريخ على أنَّ تاريخ السلطان عبدالحميد الثاني نالَه من التشويهِ والافتراء ما لم تنلْه شخصية تاريخية على الإطلاق، حتى جاوزَ ذلك الحدَّ المعقول، فأُلصق به من الدكتاتورية والاستبداد والطغيان ما جَعَل أكبرَ جبابرة البشرية يتضاءلون جوارَه، وفي ذلك مِن الافتراء على الرجل الكثير والكثير، ولَمَّا كان السلطان عبدالحميد عَلَمًا على وجود الدولة العثمانية؛ نظرًا لطول الفترة التي قضاها حاكمًا لها - أكثرَ من ثُلُث قرن - فكان كلُّ حاقدٍ أو طاعن على الدولة التي ظلَّت تحتضن الخِلافة الإسلامية حتى أوائل القَرْن العشرين يرَى في السلطان الذي هو رأسُ الدولة الهدف الذي يَنبغي أن تُصوَّب له سهامُ الحِقد، فأَلْصقوا بالرجل كلَّ نقيصة، وشوَّهوا تاريخَه وطَعنوا فيه؛ ا.هـ.

وذَكَر السلطان عبدالحميد - رحمه الله - في مذكراته: "منذ إبعادي عن العَرْش حتى الآن كتَبوا ضدِّي مجموعةً من المقالات، وعديدًا من الكتب يقطر الدم مِن قلم أعدائي، فما أكثرَ ما لم أعملْه!"؛ ا.هـ.

كان للسلطان عبدالحميد منطلق فِكري وعقدي:
كان للسلطان عبدالحميد منطلَقٌ فِكري وعقدي، تمثَّل في أنَّ الإسلام - كما جاء في مذكراته - "هو الرُّوح التي تَسري في جِسم البشرية فتُحييها، وتغزو القلوبَ فتفتحها"، ويرَى "أنَّ القوةَ الوحيدة التي ستجعلنا واقفين على أقدامِنا هي الإسلام"، "وأنَّنا أُمَّة قوية بشرْط أن نكونَ مخلِّصين لهذا الدِّين العظيم".

وعرَف اليهود أنَّ طريق السلطان محفوفٌ بالخطَر، إذًا فلْيُزل السلطان، وليفتح الطرق أتباعُهم، يقول الأستاذ طه الولي: "كانتْ غايةُ اليهود إزاحةَ السلطان عبدالحميد مِن طريقهم الموصل إلى فلسطين؛ ولذلك تمكَّنوا مِن رِشوة بعضِ رجال الدِّين، ودفْع المناوئين له إلى الثورةِ عليه، والتخلُّص نهائيًّا منه؛ تمهيدًا للتخلُّص من الإسلام نفسِه فيما بعد، وقد واتتْ هذه الحرَكة الارتجاعية أملَها بالنصْر لليهودِ لتحقيقِ مطامعهم".

سياسته ومشاريعه:
ذكَر مصطفى عاشور في مقاله عن السلطان عبدالحميد: أنَّ السلطان عبدالحميد الثاني - رحمه الله - كان يرَى ضرورةَ العمل على توحيدِ القُوَى الإسلامية لمجابهةِ الرُّوح الاستعمارية الطامِعة في الدولة العُثمانية؛ لذلك سعَى إلى طرْح شِعار الجامعة الإسلامية، وجَعْلها سياسةً عُليا لدولة الخِلافة، فعمل على تدعيمِ أواصرِ الأُخوة بيْن مسلمي الصِّين والهند وإفريقيا، ورَأى في ذلك الشعارِ وسيلةً لتوحيد الصفوف حولَه وحول دولته في الداخلِ والخارج، فاستعان بمختلف الرِّجال والدُّعاة والوسائل؛ لتحقيقِ غرَضِه، فأقام الكلياتِ والمدارس، ورَبَط أجزاءَ الدولة بـ30 ألف كيلومتر من البَرق والهاتف، وبنَى غوَّاصة، وقامت تجارِب الغواصة من ماله الخاص، وفي ذلك الوقت لم تكن إنجلترا تملِك سفينةً تسير تحتَ الماء، وعُنِي بتسليح الجيش.

إلاَّ أنَّ أعظم مشروعاته الحضارية هو سِكَّة حديد الحِجاز؛ لتيسيرِ الحَجِّ على المسلمين، بحيث يستعاض بهذا المشروع عن طريقِ القوافل الذي كان يستغرق السفرُ به أربعين يومًا، وانخفضتِ المدة بالخطِّ الحديدي إلى أربعةِ أيام.

وقد خَلَق هذا المشروعُ العملاق - الذي وصلت تكلفتُه 3 ملايين جنيه، وقد استغرَق إنجازُه سبعَ سنين من 1320 - 1327 هـ - حماسةً دِينيةً بالِغة بعدَما نَشَر عبدالحميد الثاني بيانًا على المسلمين يدعوهم فيه للتبرُّع، وافتتح القائمة بمبلَغ كبير؛ فتهافتِ المسلمون من الهند والصين وبقية العالَم على التبرُّع، باعتبارِ أنَّ هذا المشروع هو مشروعُ المسلمين أجمعين، وتبرَّع السلطان بمبلغ (320) ألف لِيرة من ماله الخاص. وتبرَّع شاه إيران بخَمْسين ألفًا، وأرسل خديوي مصر عبَّاس حِلمي الثاني كميات كبيرة مِن موادِّ البناء، وتألَّفت في سائرِ الأقطار الإسلامية لجانٌ لجمْع التبرعات.

وأصدرتِ الدولة العثمانية طوابعَ (تمغات) لمصلحة المشروع، وجمعتْ جلود الأضاحي، وبِيعت وحُوِّلت أثمانها إلى ميزانية الخطّ، وبذلك انتقلتْ حماسة إنشاء الخطِّ الحجازي إلى العالَم الإسلامي، وكان مسلِمو الهند من أكثرِ المسلمين حماسةً له، ولم تقتصر تبرُّعات وإعانات المسلمين على الفتراتِ التي استغرقَها بناء الخط فحسبُ، بل استمرَّ دفعُها بعدَ وصوله إلى المدينة المنورة؛ أملاً في استكمالِ مَدِّه إلى مكة المكرمة.

وقد وصَل أوَّل قطار إلى المدينة المنورة في (22 رجب 1326هـ = 23 أغسطس 1908م)، وأقيم الاحتفالُ الرسمي لافتتاح الخطِّ الحديدي بعدَ ذلك بأسبوع؛ ليصادفَ تولي السلطان عبدالحميد الثاني السلطنة.

أسْدَى الخطُّ الحجازي خِدماتٍ جليلةً لحُجَّاج بيت الله الحرام؛ حيث استطاع حجَّاج الشام والأناضول قطعَ المسافة من دمشق إلى المدينة المنورة في خمسة أيَّام فقط بدلاً مِن أربعين يومًا، مع العِلم أنَّ الوقت الذي كان يستغرِقه القطار هو (72) ساعة فقط، أما بقية الأيَّام الخمسة، فكانت تضيع في وقوفِ القطار في المحطات، وتَغيير القاطرات.

استمرَّتْ سِكَّة حديد الحجاز تعمل بيْن دمشق والمدينة المنورة ما يقرُب مِن تِسع سنوات، نقلت خلالَها التجَّار والحجَّاج.

من أهم إنجازاته:
في وسط هذه التيَّارات والأمواجِ المتلاطِمة تَقلَّد السلطان عبدالحميد الحُكم، وبدأ في العملِ وَفقَ السياسة الآتية:
1- حاول كسْبَ بعض المناوئين له، واستمالتَهم إلى صفِّه بكلِّ ما يستطيع.
2- دعَا جميع مسلمي العالَم في آسيا الوسطى، وفي الهند والصين وأواسط إفريقيا وغيرِها - إلى الوَحْدة الإسلامية، والانضواءِ تحت لواء الجامعة الإسلامية، ونشر شعارَه المعروف "يا مسلمِي العالَم اتَّحدوا"، وأنشأ مدرسةً للدُّعاة المسلمين سرعانَ ما انتشر خرِّيجوها في كلِّ أطراف العالَم الإسلامي الذي لقِيَ منه السلطان كلَّ القَبول والتعاطف والتأييد لتلك الدَّعوة، ولكِن قُوَى
الغرب قامتْ لمناهضة تلك الدعوة ومهاجمتها.
3- قرَّبَ إليه الكثيرَ من رجال العلم والسياسة المسلمين، واستمع إلى نصائِحهم وتوجيهاتهم.
4- عمِل على تنظيمِ المحاكم، والعمل في "مجلة الأحكام العدلية" وَفقَ الشريعة الإسلامية.
5- قام ببعض الإصلاحات العظيمة، مثل القضاء على معظَم الإقطاعات الكبيرة المنتشِرة في كثيرٍ من أجزاء الدولة، والعمل على القضاء على الرِّشوة وفساد الإدارة.
6- عامَلَ الأقليات والأجناس غيرَ التركية معاملةً خاصة؛ كي تضعفَ فكرة العصبية.
7- اهتمَّ بتدريبِ الجيش، وتقويةِ مركز الخلافة.
8- حَرَص على إتْمام مشروع خطِّ السكَّة الحديدية التي تربط بين دمشق والمدينة المنورة؛ لِمَا كان يراه مِن أنَّ هذا المشروع فيه تقويةً للرابطة بين المسلمين.

عبدالحميد والدول الكبرى:
كان السلطانُ شخصيًّا غيرَ مرغوب فيه بالنِّسبة للدول الأوروبية؛ لأنَّه يُمسِك في قبضته ملايينَ النَّصارى، وبصِفته خليفةً للمسلمين، فإنَّ له نفوذًا وسلطانًا رُوحيًّا على رعايا الدول الأوروبية المسلمين.

لم يكن مِنَ الممكن لأيٍّ من الدول الكبرى أن تقتطعَ أجزاءً من الدولة العثمانية في أوروبا أو البلقان في ظلِّ وجود عبدالحميد الثاني؛ لذا أخذتْ فِكرة إسقاطه تكتسب ثقلاً كبيرًا بيْن أعدائه.

وفي مذكرات السلطان عبدالحميد يقول - رحمه الله - في رسالةٍ كتبها بعد خلْعِه مِن الحكم إلى شيخه: "محمود أبو الشامات": "إنَّني لم أتخلَّ عن الخِلافة الإسلامية لسببٍ ما سوى أنَّني بسبب المضايقة مِن رؤساء جمعيةِ الاتحاد المعروفة، باسم جون تورك، وتهديدهم اضطررتُ وأُجبِرتُ على ترْك الخلافة، إنَّ هؤلاء الاتحاديين قد أصرُّوا علي بأنْ أُصادِق على تأسيسِ وطن قومي لليهود في الأرْض المقدَّسة، ورغم إصرارِهم فلم أقبلْ بصورة قطعية هذا التكليفَ، وأخيرًا وعدوا بتقديم 150 مليون ليرة إنجليزية ذهبًا، فرفضتُ هذا التكليف.

لقدْ خدمتُ الملَّة الإسلامية، والأمة المحمديَّة ما يَزيد على ثلاثين سَنة، فلم أُسوِّد صحائف المسلمين آبائي وأجدادي مِن السلاطين والخلفاء، وبعدَ جوابي القطعي اتَّفقوا على خَلْعي وأبلغوني أنَّهم سيبعدونني إلى (أسلانيك)، فقبلتُ هذا التكليف الأخير، وحمدتُ المولى، وأحمده أنِّي لم أقبلْ أن ألطِّخَ الدولة العثمانية والعالَم الإسلامي بهذا العارِ الأبدي، الناشِئ عن تكليفهم بإقامةِ دولة يهودية في الأراضِي المقدَّسَة".

ويلاحظ أنَّ السلطان عبدالحميد كان بعيدًا عن سَفْك الدماء، أو أسلوبِ الاغتيالات وتَصْفية معارضيه، وكان لا يلجأُ إلى عقوبةِ السجن إلاَّ في القليل، ثم يُغيِّرها بالنفي؛ ا.هـ.

قال جمال الدين الأفغاني في السلطان عبدالحميد:
"إنَّ السلطان عبدالحميد لو وُزِن مع أربعةٍ مِن نوابغِ رجال العصْر لرجحهم ذَكاءً ودهاءً وسياسة، خصوصًا في تسخيرِ جليسه، ولا عجبَ إذا رأيناه يُذلِّل لك ما يقام لملكِه مِن الصِّعاب من دول الغَرْب، ويخرج المناوئ له مِن حضرته راضيًا عنه، وعن سِيرته وسَيْره، مقتنعًا بحُجَّته، سواء مِن ذلك الملِك والأمير والوزير والسفير...".

ويقول أيضًا: "أمَّا ما رأيتُه من يقظة السلطان ورُشْده، وحَذَرِه، وإعداده العُدَّة اللازمة لإبطالِ مكايد أوروبا، وحُسْن نواياه، واستعداده للنهوضِ بالدولة الذي فيه نهضةُ المسلمين عمومًا، فقد دفعَني إلى مدِّ يدي له، فبايعتُه بالخِلافة والملك، عالِمًا علمَ اليقين، أنَّ الممالك الإسلامية في الشَّرْق لا تَسْلَم مِن شِراك أوروبا، ولا من السعي وراءَ إضعافها وتجزئتها، وفي الأخيرِ ازدرائها واحدةً بعدَ أخرى، إلا بيقظةٍ وانتباه عمومي، وانضواء تحتَ راية الخليفة الأعظم...".

من أقوال السلطان عبدالحميد:
"انصَحُوا الدكتور (هرتزل) بألاَّ يتَّخذ خطواتٍ جديةً في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلَّى عن شِبرٍ واحد من أرض فلسطين، فهي ليستْ مِلكَ يَميني، بل مِلكُ الأمَّة الإسلامية، ولقد جاهَدَ شَعْبي في سبيلِ هذه الأرض ورَواها بدَمِه، فليحتفظِ اليهودُ بملايينهم، وإذا مُزِّقتْ دولة الخِلافة يومًا، فإنَّهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثَمَن، أمَّا وأنا حيٌّ فإنَّ عملَ المِبْضع في بَدَني لأهونُ عليَّ مِن أنْ أرى فلسطين قد بُتِرتْ من دولة الخِلافة، وهذا أمرٌ لا يكون، إنِّي لا أستطيعُ الموافقةَ على تشريحِ أجسادنا ونحن على قَيْد الحياة"؛ ا.هـ.

وقال - رحمه الله -: "يجبُ تقويةُ روابطنا ببقيةِ المسلمين في كلِّ مكان، يجب أن نقتربَ مِن بعضنا البعض أكثرَ وأكثرَ، فلا أملَ في المستقبل إلا بهذه الوَحْدة، ووقتها لم يَحِنْ بعدُ، لكنَّه سيأتي اليوم الذي يتَّحد فيه كلُّ المؤمنين، وينهضون نهضةً واحدةً، ويقومون قومةَ رجلٍ واحد، يُحطِّمون رقبةَ الكفَّار"؛ ا.هـ.

لقد خَدَم السلطانُ عبدالحميد - رحمه الله - الأُمَّةَ الإسلامية مدَّةَ ثلاثين عامًا، وعلى الرغم مِن ضعْف الدولة العثمانية في عهودِها الأخيرة، وتكالب الأعداء عليها مِن جميعِ الجِهات أن يقومَ بخِدْمات جلَّى للبلاد، فاقتْ ما قام به أقرانُه مِن السلاطين المتأخِّرين... إلخ.

وبعدَ هذا السَّرْد الموجَز نعتذِر للقارئ الكريم أنَّنا لم نأتِ على كثيرٍ من جوانبِ حياة هذا الرجل البَطل، الذي ظلَّ وفيًّا لأمَّته؛ لأنَّ الإتيان على ذلك يطول، ولا تسمح لنا هذه الزَّاوية بهذا الأمْر.

فرَحِم الله السلطانَ عبدالحميد الذي ظلَّ وفيًّا لأمَّته إلى آخِر الرَّمَق، وقد وافاه الأجَل في 10 شباط عام 1918 م.

أحمد شوقي يرثي السلطان عبدالحميد الثاني:
ضَجَّتْ عَلَيكِ مَآذِنٌ وَمَنَابِرٌ
وَبَكَتْ عَلَيْكَ مَمَالِكٌ وَنَواحِ
الهِنْدُ وَالِهَةٌ وَمِصْرُ حَزِينَةٌ
تَبْكِي عَلَيْكِ بِمَدْمَعٍ سَحَّاحِ
وَالشَّامُ تَسْأَلُ وَالعِرَاقُ وَفَارِسٌ
أَمَحَا مِنَ الأَرْضِ الخِلافَةَ مَاحِ
وَأَتَتْ لَكَ الجُمَعُ الجَلائِلُ مَأتَمًا
فَقَعَدْنَ فِيهِ مَقَاعِدَ الأَنْوَاحِ
يَا لَلرِّجَالِ لَحُرَّةٍ مَوْءُودَةٍ
قُتِلَتْ بِغَيْرِ جَريرَةٍ وَجُنَاحِ
إِنَّ الَّذِينَ أَسَتْ جِرَاحَكِ حَربُهُمْ
قَتَلَتْكِ سَلْمُهُمُ بِغَيرِ جِرَاحِ
هَتَكُوا بِأَيدِيهِمْ مُلاءَةَ فَخْرِهِمْ
مَوْشِيَّةً بِمَوَاهِبِ الفَتَّاحِ
نَزَعُوا عَنِ الأَعْنَاقِ خَيرَ قِلادَةٍ
وَنَضَوْا عَنِ الأَعْطَافِ خَيْرَ وِشَاحِ
حَسَبٌ أَتَى طُولُ اللَّيَالِي دُونَهُ
قَدْ طَاحَ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَصَبَاحِ
وَعَلاَقَةٌ فُصِمَتْ عُرَى أَسْبَابِهَا
كَانَتْ أَبَرَّ عَلائِقِ الأَرْوَاحِ
جَمَعَتْ عَلَى البِرِّ الحُضُورَ وَرُبَّمَا
جَمَعَتْ عَلَيْهِ سَرَائِرَ النُزَّاحِ
نَظَمَتْ صُفُوفَ المُسلِمِينَ وَخَطْوَهُمْ
فِي كُلِّ غَدْوَةِ جُمْعَةٍ وَرَوَاحِ
هُوَ رُكْنُ مَملَكَةٍ وَحائِطُ دَولَةٍ
وَقَرِيعُ شَهْبَاءٍ وَكَبْشُ نِطَاحِ
عَهْدُ الخِلاَفَةِ فِيَّ أَوَّلُ ذَائِدٍ
عَنْ حَوْضِهَا بِبَرَاعَةٍ نَضَّاحِ
حُبٌّ لِذَاتِ اللَّهِ كَانَ وَلَمْ يَزَلْ
وَهَوًى لِذَاتِ الحَقِّ وَالإِصْلاَحِ

كما رثاه شاعر العراق جميل صدقي الزهاوي:
وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ الْخَلِيفَةَ رَحْمَةً
إِلَى النَّاسِ إِنَّ اللَّهِ لِلنَّاسِ يَرْحَمُ
أَقَامَ بِهِ الدَّيَّانُ أَرْكَانَ دِينِهِ
فَلَيْسَتْ عَلَى رُغْمِ العِدَا تَتَهَدَّمُ
وَصَاغَ النُّهَى مِنْهُ سِوَارَ عَدَالَةٍ
بِهِ ازْدَانَ مِنْ خَوْدِ الحُكُومَةِ مِعْصَمُ
وَكَمْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَآثِرٌ
بِهِنَّ صُنُوفُ النَّاسِ تَدْرِي وَتَعْلَمُ
وَيَشْهَدُ حَتَّى الْأَجْنَبِيُّ بِفَضْلِهِ
فَكَيْفَ يُسِيءُ الظَّنَّ مَنْ هُوَ مُسْلِمُ
سَلاَمٌ عَلَى الْعَهْدِ الحُمَيْدِيِّ إِنَّهُ
لَأَسْعَدُ عَهْدٍ فِي الزَّمَانِ وَأَنْعَمُ

انظر المزيد:
(تاريخ الدولة العثمانية، د.علي حسون - تاريخ الدولة العثمانية يلمازأوزتونا - مذكرات السلطان عبدالحميد - مذكرات الأميرة عائشة - صحوة الرجل المريض - الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط: لعلي محمَّد الصلابي - الموسوعة الحرَّة ويكيبيديا).


الخلافة العثمانية من الإجحاف إلى الإنصاف

يُعَدُّ القرنُ السادسَ عَشَرَ من أكثرِ القرون حساسية على العالم الإسلامي، ولا سِيَّما في الشرق الأوسط والمغرب الأقصى وشمالي إفريقيا، ورغم هذا استطاع العثمانيُّون بمهارتِهم السياسية والعسكرية أنْ يتسيَّدوه، فبنظرةٍ مُنصفة على خريطة العالم القديم إبَّانَ هذا القرن، سنجدهم قد جاهدوا في أربعةِ مَحاور رئيسة.

الأول: محور المواجهة المتصاعدة والمحتدمة مع العالم الغربي، ولا سيما وسط أوربا، بهدف وصولِهم إلى بلاد الأندلس بَرًّا وبَحرًا لتحرير المسلمين من الإبادة الجماعية هناك على أيدي الفرنجة المتعصِّبين، ومَحاكم التفتيش الرهيبة، التي نَصَبَتْ لَهم المشانقَ والمحارق الجهنمية.

المحور الثاني: كان في غرب البحر الأبيض المتوسط؛ حيث كانت أساطيلُ فرنسا وإسبانيا وجنوة تشكل تحالفًا بحريًّا لضرب سواحل شمال إفريقيا واحتلالها.

وكانت هذه القوى الصَّليبية البحرية تتصدَّى للسُّفن الإسلامية، التي كانت تَحمل المسلمين الفارِّين مِنَ الْهَوْلِ الصليبي بالأندلس، فكان الأسطولُ العثماني يَخْفِرُ ويتصدَّى لهذه الأساطيل، واستطاع تحرير ليبيا، والجزائر، وتونس، والمغرب الأقصى من الاحتلال الإسباني.

المحور الثالث: كان في جنوب الجزيرة العربية والخليج العربي والبحر الأحمر؛ حيث كان الخطر البحري البرتغالي يَتهدَّدها، فكان الوجودُ العثماني هناك حمايةً لها؛ لتأمين السفن التجارية الإسلامية في المحيط الهندي، ومياه الخليج، والبحر الأحمر، والأهم حماية مَكَّة والمدينة المنورة، والأراضي المقدسة بالحجاز من الخطر البرتغالي.

المحور الرابع: التصدي للخطر الصفوي الشيعي بإيران، وإحباط مخططات الصفويِّين للاستيلاء على مصر والشام وفلسطين والحجاز، والعمل على التصدي للمذابح الإيرانية للمسلمين السُّنَّة في العراق وأذربيجان ومناطق بحر قزوين.

لهذا نجد العُثمانيِّين طوالَ القرن السادسَ عَشَرَ كانوا في جهادٍ مُتصل على كلِّ الجبهات المستعرة، التي لم تخمد أُوَارها، رَافعين راياتِ الإسلام، وسائرين على نَهج السَّلَف الصالح، فقد ظهروا أمامَ العالم الإسلامي حُماةً لأهل السنة وقوة إنقاذ لهم.

والخلافة العُثمانية مهما قيل عنها إفكًا، أو لاكت سيرتَها بعضُ الأقلام ممن جهل بتاريخها، أو حسن نية، فأفقدها مصداقِيَّتَها بغير حق - فهذه الخلافة قد جاهدت في سبيلِ الله منذ إنشائها عام 1250م، وظَلَّت في رباطٍ لم ينقطع، حتى انطوى تَحت لوائها العالَم المسيحي في شرقي أوربا، ودخل في دينِ الله الملايين من المسيحيِّين هناك، فهي خلافة فاتحة، وَسَّعَت رقعة العالم الإسلامي لأول مرة في تاريخ الإسلام، عندما فتحت أقطارًا أوربيَّة، وإسقاطُها للإمبراطوريَّة البيزنطية كان لطمةً كبرى للغرب، حتى اعتبروا هذا الفتحَ الإسلاميَّ للقسطنطينية بدايةَ العصر الحديث، فلقد أحْيَت عصرَ الفتوحات الإسلامية الكبرى بعد مواتٍ لأكثرَ من خمسة قرون، ومَيْزَة الفتوحات العثمانية أنَّ الذين قاموا بها أتراكٌ مسلمون، وليسوا عربًا، كما كان في الفتوحات الكبرى إبَّان الخلافة الراشديَّة والأُمُوية، وهذا يدُلُّ على أن الإسلامَ قد أصبح عالميًّا.

بين الصفوية والمملوكية:
تُعَدُّ الصفويةُ دعوةً صوفية المنشأ، وتنسب لداعيتها صفي الدين عام 1334م، وكان عند بَدْءِ ظهورها تتمركز في مدينة أردبيل بأذربيجان جنوبَ غرب بَحر قزوين، ولَم تلبث هذه الدَّعوة إلاَّ وكشفت عن هُويتها الشيعيَّة في مُنتصف القرن الخامسَ عَشَر، وأصبح أتباعُها إرهابيِّين، واستطاعوا السيطرةَ على بعض القبائل السنية التُّركمانية بجنوب وشرق الأناضول عند أطراف الدَّولة العثمانية، ثم استولوا على غربي فارس.

وهذه الجماعات الشيعيَّة الإرهابية قَوِيَ نفوذُها، واستطاع قائدها إسماعيل الصفوي تأسيسَ دولة تضُمُّ غرب وشرق فارس والعراق والخليج، وجعل عاصِمَتها تبريز، وأعلن إسماعيل أنَّه شاه فارس وإمام الشيعة، ثم قام بملاحقة المسلمين السُّنيِّين، وأجبرهم على اعتناقِ المذهب الشيعي، وهو المذهب الرسمي للدولة الصفوية.

ولم يَكتفِ الشاه إسماعيل بهذا، فقام عن طريقِ عُملائه ببثِّ الرُّعب والإرهاب في المشرق الإسلامي بالهند وأفغانستان ومصر والشام، حتى استطاعَ عُملاؤُه اختراقَ بلاط السَّلطنة المملوكية وقيادة الجيش؛ للتَّمهيد للانقلاب الشيعي المزمع قيامه ضِدَّ السلطان قنصوة الغوري، الذي لم ينتبه لهذه الخطة التي استهدف بها الصفويُّون الاستيلاءَ على مصر والشام وفلسطين والحجاز واليمن، وكلها كانت أقاليمَ تتبع السَّلطنة المملوكية بالقاهرة، وكان الصفويُّون عن طريق جواسيسهم قد أيقنوا أنَّ السلطنةَ المملوكية مفلسة.

فالسلطنة المملوكية في مَطلعِ القرن السادسَ عَشَرَ شهدت صراعاتٍ دَموية بين السُّلطان وأمراء المماليك الذين انشقُّوا عليه، وكان الجيشُ السلطاني يُعاني جنودُه الجوعَ، وعدمَ التدريب أو التسليح، حتى ساءت أحوالُهم، وعَمَّ الكسادُ الاقتصاديُّ كُلَّ ديارِ السلطنة بعدما توقَّفت قوافلُ التجارة العالميَّة عَبْرَها، وساد التخلُّف الاجتماعي، وتفشَّى الظلمُ للفلاحين والتُّجَّار الذين كانوا يعانون من الضرائب المتزايدة، وكانت البلادُ في فوضى، وعساكرُ المماليك لا هَمَّ لهم سوى النهب والسلب والاعتداء على الأعراض، والتعرُّض للنسوة في الشوارع.

النجدة العثمانية:
وأمام هذه الأوضاع المتردية، والتهديدات المتلاحقة لسفن القراصنة الفرنجة للسواحل الشامية والمصرية - انبهر المصريُّون والشاميُّون بأنباءِ الانتصاراتِ المُذهلة التي كان يُحققها العثمانيُّون في مواجهاتِهم للغرب، وفَشِلَ الصفويون في الترويج لدعوتِهم في ديارهم؛ لسوء سمعتهم في العالم العربي؛ لممارستهم القمعية ضِدَّ المسلمين السنة، فتطلعت الشعوبُ العربية من أقصى الصومال حتى المغرب العربي وأعالي الفرات والعراق لمجيء العُثمانيِّين، كحُماة لأهل السنة، ولم يكونوا بغافلين.

ففي عام 1512م كان العُثمانيون في مُواجهةٍ بَحرية ضد البنادقة، الذين كان أسطولهم يُداهِم السواحلَ العثمانية بالبحر الأبيض المتوسط، وكان السُّلطان العثماني سليم الأول يقود جيوشَه للتصدي لهذا الخطر، فاجتاحَ أسطولُه جزيرةَ قبرص وليانتو ومدون وكورن على الساحل الغربي لليونان لتأمين قواتِه البرية هناك، ووصل البندقية (فينيسيا) في أعلى بحر الأدرياتيك واحتلها، وتَقَدَّم بقواتِه بَرًّا إلى (فستزا)، وهذا ما جعل البنادقة يطلبون الصلحَ نظيرَ دفع الجزية.

وعلى صعيد آخر استغل الصفويُّون انشغالَ السلطان سليم في حروبه ضِدَّ الغرب، فأشعلوا الحربَ لصالح فرنسا والبابوية بطول خطِّ المواجهة على الأناضول العثمانية؛ للضَّغط على سليم لسحب قواتِه التي كانت تُهدِّد إيطاليا وسواحلها الجنوبية، التي كانت خاضعةً للحلف الإسباني الفرنسي، واضطر السلطانُ سليم إلى العبور بقواتِه من أوربا للتصدي للصفويين عام 1514م، وطلب من السُّلطان قنصوة الغوري السماحَ لقواتِه بالعبور من إقليم آلبستان الذي كان يتبعُ السلطنةَ بالقاهرة؛ حيثُ يقع على أطرافِ الشام المملوكية، وليقصر المسافة على قواتِه المنهكة من السير الطويل، وتوفيرًا للوقت؛ حتى يتمكنَ بسُرعة من دخول الأراضي الصفوية؛ للتخفيفِ عن مُسلمي السنة الذين هاجمهم الصفويُّون وذبحوهم، لكن قنصوة رَفَضَ وأهان رُسلَ العثمانيِّين وسجنهم؛ لأنَّ الأمراءَ عملاءَ الصفويِّين حذروه وأوعزوا له بالرَّفض؛ إرضاءً للصفويِّين، الذين وَعَدوه بنجدتِه لو هاجم العثمانيُّون سلطنتَهم، وكان رُسُلُ الصفويين قد وصلت لقنصوة، وأبلغوه بهذا المعنى.

وأمام هذا الرفض غَيَّرَ السلطانُ سليم اتجاهَ المجهود الرئيس لقواتِه، ودخل الأراضي الصفوية من جنوب شرق الأناضول؛ حيث داهم إقليمَ كاليدران، وألْحَقَ الهزيمةَ بإسماعيل الصفوي، وتقدَّم بقواتِه حتى دخل تبريز عاصمة الصفويين واحتلَّها، بعدها عاد واستولى على ديار بكر والموصل وأجزاء من كردستان، وهذه كلُّها أراضٍ سُنِّيَّة كانت تحت الخطر الصفوي، وعاد إلى آلبستان التي انشقَّت على قنصوة واحتلها، وأصبحت قاعدةً حربية للجيش العُثماني على الحدود الصفوية والمملوكية، ومُهمتها حمايةُ أهلِ السنة من الخطر الشيعي الصفوي المتربص بالدَّولة المملوكية في أعالي نهر الفرات جنوب شرق حلب المملوكية، هذه الحقيقة لم ينتبه لها قنصوة؛ لأنَّه لم يكن بعيدَ النظر.

العثمانيون يدخلون مصر:
كان العثمانيُّون لهم مفهومهم في الجهاد حسب مذهبِهم الحنفي؛ لهذا كانوا مُلتزمين بتطبيق الشرع، ولا سيما فرضية الجهاد، فعندما يكون الجهاد فرضَ كفاية دافعوا عن ديار الإسلام، ولم يَحتلوها إلا لضرورةٍ قتالية أو دفاعية، وعندما حاربوا الصَّفويِّين؛ ليدافعوا عن الإمارات التركمانية السنية على حدود الأناضول، حَمَوْها من خطرِ الصفويِّين، وانسحبوا منها ومن الأراضي الفارسية الصفوية؛ لأنَّها ديارُ إسلامٍ لا ديار حرب، ولو كانوا راغِبين في التوسُّع بالعالم الإسلامي، فقد كان الطريقُ مفتوحًا لهم حتى دلهي بالهند، لكنَّها ديار الإسلام يَحرُم عليها الإغارةُ عليها، وكانت شعوبُ وسط آسيا إماراتٍ تركمانية وخزرية وأوزبكية مُسلمة؛ لهذا لم يستولوا عليها، فكان هدفُهم الجهادَ في سبيل الله، وتوسيع رقعة الإسلام في أوربا الوثنيَّة والمسيحية بتأمين العالم الإسلامي من الخطر الصليبي.

لكن في عام 1516م اتَّجَهَ قنصوة الغوري بِجَيشه، حتى وصل إلى مدينة حلب على حدود الشام؛ لتهديد العُثمانيِّين، والضغط عليهم في إقليم آلبستان، وكان هذا بالتنسيق مع رُسُلِ إسماعيل الصفوي؛ ليُشكِّلَ حلفًا ضد السلطان سليم، فسنان باشا - قائد الجيش العثماني الذي أصبح بين شقي الصَّفويِّين والمماليك في مُواجهة عسكرية - أرسل رسالةً عاجلةً للسلطان سليم الأول يبلغه فيها بالموقف العسكري، والتحرُّكات المملوكية على حدود السَّلطنة العثمانية، فأتى سليم على عجل لسهل آلبستان بعدما أرسلَ رُسُلَه لقنصوة يطلب منه عقدَ معاهدةِ سلام بينهما، لكن قنصوة كعادته سجن الرُّسلَ، ولم يرد على رسالةِ السلطان سليم.

والعثمانيُّون كانوا على بَيِّنَة من الضَّعف العسكري لقواتِ المماليك، وكان على السلطان سليم أنْ يَختار القرارَ الأصوب، وهو القضاء على الخطر المملوكي؛ حتى لا يطعنه الصفويُّون المتنمرون له، ولا سيما أنَّهم اخترقوا حاشيةَ قنصوة وسَيَزِجُّون به للحرب لحساب الصفويين الذين على خط المواجهة.

ففي أكتوبر 922هـ/ 1516م عَبَرَت القواتُ العثمانية الحدودَ، وتقابلت مع قنصوة في مرج دابق قُرْبَ حلب، وبعد ساعاتٍ قُتِلَ قنصوة؛ ليبدأ العدُّ التنازلي لسقوط دولة المماليك بمصر والشام والحجاز، وأعلن طومان باي نائبُ قنصوة نفسَه سلطانًا، وسار سليم بعد المعركة وسط ترحيب الشاميِّين به؛ حيث كان الطريقُ مفتوحًا أمام قواته للقاهرة، وكان الجيش العثماني مجهزًا بالأسلحة الحديثة، ومُدربًا على المعارك، بينما تشتَّتت القواتُ المملوكية بعدما أعلن أمراءُ المماليك ولاءَهم للسلطان سليم، وانضموا لجيشه.

ولم يكن السلطانُ سليم راغبًا في احتلال مصر، فعندما وصل غَزَّة توقَّف؛ ليعود من حيث أتى، وأرسل لطومان باي رُسُلَه يبلغه أنَّه اختاره حاكمًا، لكنَّه أرسل قواتِه فهزمها سليم، واتَّجه بعدها إلى القاهرة، وتلاقى طومان باي مع العثمانيِّين في الريدانية (العباسية) عند مشارف القاهرة، لكنَّ المماليك لم يصمدوا ساعةً، وهرب طومان باي لمدينة البهنسا، لكن العربان قبضوا عليه، وسلَّموه للسلطان سليم، وأعْدَمه على باب زويلة بعدما عرضَ عليه حُكْمَ مصر ورفض.

وبعد دخول العثمانيِّين للقاهرة كانت صلاة الجمعة في اليوم التالي، ووقف الخطباءُ فوق منابر القاهرة يدعون: "اللهم انصُرِ السلطانَ ابن السلطان سيد البرين والبحرين، ومحطم الجيشين، سلطان العراقين وحامي الحرمين الشريفين المنتصر الملك سليم شاه، امنحه يا ربَّ العالمين القوة؛ ليسودَ العالم".

وخرج المصلون من صلاتِهم وهُم في ذُهُول؛ لِمَا سمعوه ولم يصدقوا أنفسَهم أنَّهم قد تخلصوا من المماليك الظالمين.

الإسلام هو القومية:
من الخطأ التاريخي أن نحمَّ على دخولِ العثمانيين للعالم العربي من منظورٍ قومي عربي أو بيئي؛ لأنَّ دُعاة القومية العربية قد أرهصوا بأنَّ الوجودَ العُثماني كان لتحقيق السيادةِ العنصرية التركية على العُنصرية العربيَّة، واعتبروه إمبريالِيَّةً واستعمارًا، وهذه النَّعْرَة قد روَّج لها الكُتَّاب المارونيُّون في الشام، ففي القرن الماضي أدخلوا مصطلحَ العروبة في كتابَتِهم، كدعوة إيديولوجية مستترة لضرب الخلافةِ العثمانية؛ لأنَّها رمزٌ للخلائف الإسلامية الكبرى، وهؤلاء المارونيُّون قد ظاهروا الصليبيين والفرنسيين عند احتلالهم للشام، بل كانوا يُشكِّلون طابورًا خامسًا لحساب الأعداء أيام نابليون.

فدخول العثمانيِّين العالَمَ العربي في القرن السادسَ عَشَرَ كان لضرورةٍ فقهيَّة، وإستراتيجية دينيَّة وسياسية؛ لأنَّ الإسلامَ لاَ يعرفُ العرقية أو العُنصرية، ولا يقرُّ بالقبلية أو النعرة الإقليمية، فأُمَّته أمة واحدة، والعالم الإسلامي كله هو دياره.

وحماية هذه الديار ضِدَّ الكفار فرضٌ على كل مسلم في البوسنة، أو حتى في الإسكيمو، ودفع الضرر عن جماعة المسلمين فرضيَّة جهادية إذا اقتضى ذلك لا تسقط، أو يكفر المسلم عنها.

فلا يُمكن لدولةٍ سُنية عُظمى كالخلافة العُثمانية أن تقفَ مكتوفةَ الأيدي؛ لتترك العالَمَ الإسلاميَّ نَهبًا وطَمَعًا للمتربصين به من أعداء الإسلام.

إعلان الخلافة العثمانية:
بعدما دخل سليم القاهرة أعلنَ سقوطَ الخلافة العباسية الثانية بها، وأخذ معه الخليفة للأستانة؛ حيث تنازل له عن الخلافة، وفي عام 1538م أعلن السلطانُ سليمان القانوني الخلافةَ العثمانية، ولَقَّبَ نفسَه بخليفة المسلمين، وأعلن أنَّ هذه الخلافة سُنية ومذهبها الرَّسْمي المذهبُ الحنفي، كما أعلن الجهادَ في سبيل الله، ولَقِيَ هذا الإعلان صدًى واسعًا في كل أرجاء العالم الإسلامي؛ لأنَّ هذا الإعلان كان من صَدرِ قوة، وإحياء للخلافة الراشدية، ولا سيما أنَّ المقدسات الدينية بمكة والمدينة والقدس كانت تحت حماية الخلفاء العُثمانيِّين، وهذا ما أضفى عليهم مكانةً دينية، وعندما أصدر سليمان (قانون نامه) (دستور الدولة العثمانية)، جَعَلَ فيه الشريعة الإسلامية مصدرَ هذه القوانين؛ لهذا طَبَّقَ المذهب الحنفي على أهلِ الذِّمَّة الذي كفل لهم حقوقهم.

فجعل لكلِّ مِلَّة رئيسًا (ملة باشا) يَختاره أهلُ الملة، ويصدر بتعيينه فرمان يُخوِّله الإشرافَ على شؤون ملته الشخصيَّة والدينية، وجعل للمسلمين شيخًا للإسلام ومقره الأستانة، ويتبعه كلُّ المُفْتِين وقضاةُ القضاة في كُلِّ الولايات العُثمانية، وهؤلاء يشرفون على المؤسسات الدينية الإسلامية والمساجد والأئمة والمحاكم ودُور العلم.

وأخيرًا: فهذه صورة الخلافة العثمانية في القرن السادسَ عَشَرَ، عندما كانت في أوجِ عظمتها السياسية والاجتماعية والعسكرية، وما كتب عنها هو شَهَادة حَقٍّ، ولا سيما أنَّها كانت مظهرًا من مظاهر عظمة الإسلام، وهذا لا تدعيه، ولكنَّها الحقيقة الدامغة التي أقَرَّ بها المؤرخون المنصفون لها.

ووعدتكم...فأخلفتكم..!

إنَّ عَلاقة الشيطان بالإنسان تظل فى ظلال سميكة من الغموض والإبهام.. يقذف بالبَشَر إلى مهاوي الخرافات والأكاذيب، حتى يأتى القرآنُ الكريم فيزيلُ كلَّ ذلك ويكشف أمام البشر حقيقةَ الصراع.... الصراع الذى بدأ مع خلق آدم... وسيستمر معه فى رحلته المؤقته على هذه الأرض...!

وهذا المشهد يقفز بنا إلى نهاية الصراع؛ يختزل كلَّ الأزمنة على اتساعها، وكل الأمكنة على رحابتها... يضعُنا مباشرة أمام يوم القيامة....!

يقول تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ} [إبراهيم: 22]..

أى حين أقبل البشر على ربهم يتلقون الجزاء... وحين أصبح مجالُ العمل والعودة إلى رضا الله تعالى مغلقًا غير متاح...!

ماذا يقول هذا الشيطان للبشر؟... ولماذا هو بالذات؟.. وهو العدو اللدود الذى لا يكف الخالقُ العظيمُ عن تحذير البشر من اتباعه وتصديقه...؟

ذلك لأن الله تعالى يعلم أن هناك فئةً من البشر تظل مخلِصةً للشيطان كلَّ الإخلاص... متبعة إياه بكل انقياد واستسلام... يأمر هو... وهى تطيع... إنه وليها من دون الله... والعياذ بالله.. وهذه الفئة من البشر هى التى ستنتظر من الشيطان أن يتقدم إليها يوم القيامة ينقذها من عقاب الله... إنهم ينتظرونه أن يتكلم... أن يؤكد أنه عند وعده بالنصرة والإنقاذ..

وها هو ذا يتكلم.... وها هم أولاء يصمتون...

لقد اختلف الشيطان عما عهدوه.... وها هو ذا يتحدث... لا ليطمئنهم بل ليعترف باعتراف خطير..
{إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}...!

وإنهم لتصيبهم الدهشةُ.. ثم يتسلل إلى نفوسهم الفزع.. ويكاد يقتلهم الخوفُ من مصير لم يستعدوا له.. بل سخروا منه كثيرًا.... وقضوا أعمارهم يحاربون المؤمنين به..

ما هذا الذى أوصلهم الشيطانُ إليه...؟

أى خديعة تعرضوا لها؟

خديعة قضوا عمرهم يتنفسونها... وها هو ذا الشيطان نفسه يعترف بها..؟

ها هو ذا يقرر أن وعد الله هو وحده الحق...! وأنه وعَدَهم وهو ينوي أن يخلفهم!!

أى حسرة تملأ قلوبهم الآن وهم يرون أن مصيرًا مفزعًا ينتظرهم...!

إنها حسرة لا تذهب، مع ما حققوه فى دنياهم من انتصارات عظيمة وكبيرة

استهواهم بالمال... فبلغوا من الثراء مبلغًا عظيمًا...!

غرهم بالشهوات... فغرقوا فيها حتى لا يفيقون من آثارها...!

استدرجهم بالعلم... فطغوا وبغوا.. وأفسدوا فى الأرض....!

أضلهم بالقوة حتى أهلكوا الحرث والنسل.....!

وإنه لا يتركهم يتجرعون المرارة... والألم والحسرة... بل يسارع إليهم فيواجههم بحقيقتهم...

فإن الله لم يسلم قيادَهم إليه... ثم سيحاسبهم... حاشا لله.

وإنه تعالى لم يعطه من النفوذ والسيطرة ما يسلبهم الإرادة أو العزيمة أو حق الابتعاد عنه....
{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ}

وحين ينفي الشيطانُ امتلاكَه لسلطان السيطرة النافذة.. فإنه فى الحقيقة يؤكد حريتهم الكاملة وإرادتهم التى منحهم الله إياها...

وإذن... فليس هو المسئول عن مصيرهم....!

إنهم هم الذين أرادوا هذا الطريق الذى ساروه...!

وهم الذين اختاروا هذه الحياة التى فرحوا بها...!

وإذن ما أثرُ الشيطان فى مصيرهم الآن؟.. لماذا يتقدمهم إلى جهنم...؟

وإذا كانوا قد اختاروا... فلم يتبعونه الآن؟

نعم كان للشيطان أثر..... وهو يعترف به.. ولا ينكره...! وإذا أراد فهو لا يستطيع... إنه يوم الصدق وإعطاء الحقوق....!

وها هو ذا يحدد ما عمله...!
{إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}...!

وإذن فهو لم يجبرهم على الضلال...!

ولم يدفعهم رغمًا عنهم إلى الفساد...!

ولم يقذف بهم على حين غفلة إلى مهاوي الرذيلة والفحشاء....!

لقد اكتفى فقط بالدعوة إليها.... وهم تسارعوا إليه فرحين مستبشرين.. سعداء بما ينالون من لذة سريعة عارضة...!

وإذن لا يحق لهم أن يحملوه نتيجة اختياراتهم...!

ولذا هو يعود إليهم بصفعة قوية جديدة... تزيد مرارتهم علقمًا من نوع خاص...!
{فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ}

إن لوم النفس يزيد من آلامهم... يضاعف من حسرتهم على المصير المرعب الذى سيكون من نصيبهم...!

وحتى لا يومض فى نفوسهم أمل بأن الشيطان قد ينقذهم... ها هو ذا يصفعهم من جديد بما يغلق عليهم كل منافذ النجاة...!
{مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}

وإنه ليعلن أمامهم الآن حاجته لمن يصرخه...!

أين إذن قوته التى اغتروا بها؟

أين إذن وُعوده التى عاشوا بها ولها؟

أين كل أسلحته الفتاكة.. القوية التى أفزعهم بآثارها؟

وينتهى المشهد الجلل بتقرير يؤكد الحقيقة التى يهرب منها أصحابُ الباطل والفساد...

أن الشيطان يكفر بأتباعه... يتنصل منهم... يسلمهم إلى ماينتظرهم من مصير تشيب لهوله الولدان دون أن يشفق عليهم...
{إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ}

فأنا لم أطلب منكم طاعتى..... وعصيان الله...!

ولم آمركم بتنكب الحق..... واتباع الضلال...!

فأنتم إذن ظلمتم أنفسكم... فاستعدوا إذن لجزاء الظالمين....!

وهذ الجزاء له وقع خاص؛ لأن الذى يعترف به هو الشيطان...!

ويعترف به لأتباعه....!

ويعترف به لهم وهم فى يوم تشخص فيه الأبصار... وترتعب القلوب...!

{إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22].